عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي

66

مرآة الجنان وعبرة اليقظان

المذكور ومؤانسة كثيرة ، وصحبة صحيح المودة ، فجئت إليه أنا وأخي ، وكتب إلى سلطان بلدنا الملك المعظم كتابًا بليغًا في حقنا . يقول فيه : أنت تعلم ما يلزم من أمر هذين الولدين ، فإنهما ولدا أخي ، وولدا أخيك ، ولا حاجة مع هذا إلى تأكيد وصية ، وأطال القول في ذلك ، فتفضل القاضي أبو المحاسن ، وتلقانا بالقبول والإكرام ، وعمل ما يليق لمثله ، وأنزلنا في منزلة ، ورتب لنا على الوظائف وألحقنا بالكبار مع صغر السن ، والابتداء في الاشتغال ، وكان أبو المحاسن المذكور بيده حل الأمور وعقدها ، ليس لأحد معه كلام في الدولة ، وكان للفقهاء في أيامه حرمة تامة . ومما حكي عنه أنه قال : كان في المدرسة النظامية ببغداد أربعة أو خمسة من الفقهاء المشتغلين ، فاتفقوا على استعمال حب البلاذر لأجل سرعة الحفظ والفهم ، فاجتمعوا ببعض الأطباء ، وسألوه عن مقدار ما يستعمل الإنسان منه ، وكيف يستعمله ، ثم اشتروا المقدار الذي قال لهم الطبيب الجاهل ، فشربوه في موضع خارج المدينة ، فحصل لهم الجنون ، فتفرقوا وتشتتوا ، ولم يعلم ما جرى عليهم ، وبعد أيام جاء إلى المدرسة ، وأحد منهم ، وهو عريان ليس عليه شيء يستر عورته ، وعلى رأسه عمامة كبيرة لها عذبة طويلة قد ألقاها وراءه ، فوصلت إلى كعبه ، وكان طويلاً ، وهو ساكت عليه السكينة والوقار لا يتكلم بشيء ، ولا يعبث بشيء ، فقام إليه بعض الفقهاء ، وسأله عن الحال ، فأخبره باستعمال حب البلاذر ، وقال : فأما أصحابي ، فإنهم جنوا ، وما سلم منهم إلا أنا وحدي ، فصار يظهر العقل العظيم والسكون ، والحاضرون يضحكون منه ، وهو لا يشعر بهم ، ويعتقد أنه سالم مما أصاب أصحابه ، وهو على تلك الحال لا يفكر فيهم ولا يلتفت إليهم . وفيها توفي أبو سليمان داود الملقب بالملك الزاهر ابن الملك العادل صلاح الدين يوسف بن أيوب ، كان صاحب قلعة البيرة التي على شاطىء الفرات ، وكان يحب العلماء وأهل الفضل ، ويقصدونه من البلاد ، وكان الثاني عشر من أولاد صلاح الدين ، وكانت ولادته سنة ثلاث وسبعين وخمس مائة ، فلما توفي توجه ابن أخيه الملك العزيز ابن الملك الظاهر إلى القلعة المذكورة وملكها والبيرة بكسر الموحدة وسكون المثناة من تحت وفتح الراء ، وفي آخرها هاء ، وهي قلعة من ثغور الروم على الفرات بقرب سميساط . سنة ثلاث وثلاثين وست مائة فيها أخذت الفرنج قرطبة واستباحوها ، وجاءت فرقة من التتار ، فكسرهم عسكر