عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي
31
مرآة الجنان وعبرة اليقظان
وقتلوا منهم ثلاثين ألفًا ، ثم سلكوا طرقا وعرة في الجبال إلى أن وصلوا بلاد اللان وفيها طوائف من الترك ، وقليل من المسليمن ، فالتقوا وكانت الدائرة على اللان ، فقتلوا وسبوا ومروا إلى أن وصلوا مدينة سوادق ولم يزالوا يطوون الأرض ويضربون إلى أن كلت أسلحتهم وتكلكلت أيديهم مما قتلوا من النساء والأطفال ، فضلاً عن الرجال ، وكان خوارزم شاه بطلاً مقدامًا ، وعسكره أوباشًا ليس لهم أقطاع ، ولا ديوان بل يعيشون من النهب والغارات ، وهم ما بين تركي كافر ، أو مسلم جاهل لا يعرفون تعبية العسكر في المصاف ، ولا أدمنوا إلا على المهاجمة وما لهم زرديات ولا عدة جيدة للحرب ثم أنه كان يقتل بعض القبيلة ، ويستخدم باقيها ، ولم يكن فيه شيء من المداراة لا لجنده ولا لعدوه ، ويحرش بالتتار ، وهم يغضبون على من يرضيهم ، فكيف من يبغضهم ويوذيهم ؟ ! فخرجوا عليه وهم بنواب وأولو كلمة مجتمعة وقلب واحد ورئيس مطاع ، فلم يمكن خوارزم شاه أن يقف بين أيديهم ولكل أجل كتاب . وفي السنة المذكورة توفي قاضي القضاة زكي الدين محمد بن يحيى القرشي الدمشقي ، كان ذهيبة ، وسطوة ، وحشمة ، وكان الملك المعظم يكرهه فاتفق أنه طالب جابي العزيزية بالحساب ، فأساء الأدب عليه فأمر بضربه بين يديه ، فوجد المعظم سبيلاً إلى أذيته ، وبعث إليه بخلعة أمير قباء وكلوته ، وألزمه يلبسها في مجلس حكمه ، ففعل ، ثم قام ، فدخل ولزم بيته ومات كمدًا يقال : إنه رمي قطعًا من كبده ، ومات كهلاً ، فندم المعظم . وفيها توفي الشيخ المقدم أسد الشام عبد الله بن عثمان اليويثيني ، كان شيخًا مهيبًا طوالاً حاد الحال ، تام الشجاعة أمارًا بالمعروف نهاء على المنكر ، كثير الجهاد ، دائم الذكر ، عظيم الشأن ، منقطع القرين ، صاحب مجاهدات ، وكان الأمجد صاحب بعلبك يزوره ، وكان يهينه ويقول : يا مجيد أنت تظلم . وتفعل وتفعل ، وهو يعتذر إليه وقيل : كان قوسه ثمان عشرة رطلاً ، وكان لا يبالي بالرجال ، قلوا أم كثروا ، وكان ينشد هذه الأبيات ويبكي . شفيعي إليكم طول شوقي إليكم * وكل كريم للشفيع قبول وعذري إليكم أنني في هواكم * أسير وما سور الغرام ذليل