عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي

199

مرآة الجنان وعبرة اليقظان

عياض - قدس الله روحهما - ولم ير في الظاهر خارجاً من مكة إلى مكان أبعد من عرفة ، وأما في الباطن ، فالعلم بذلك راجع إلى علماء الباطن . قد أخبرني بعض الأولياء ، وهو الشيخ محمد البغدادي الذي كان ساكناً في بلاد مراغة ، قال : لما رجعت من زيارة النبي عليه السلام متوجهاً إلى مكة . أفكرت في الشيخ نجم الدين المذكور ، وعتبت عليه في قلبي في كونه لا يقصد المدينة الشريفة ويزور ، قال : ثم رفعت رأسي ، فإذا به في الهوى ماراً إلى جهة المدينة ، وناداني : يا محمد كذا وكذا ، وذكر كلاماً نسيته . وبلغني أنه قال له بعض أصحابه : يا سيدي الناس ينكرون عليك ترك زيارة النبي عليه السلام ، فقال : لا ينكر ذلك إلا أحد رجلين ، إما مشرع ، وإما محقق . فأما المشرع . فقل له : هل يجوز للعبد أن يسافر بغير إذن سيده ؟ وأما المحقق فقل له : من هو معك في كل حين حاضر هل لطلبه تسافر . وقال الشيخ عبد الملك ابن الشيخ الكبير العارف بالله الشهير أبو محمد المرجاني المغربي - قدس روحه - استأذنت الشيخ نجم الدين في زيارة قبر النبي عليه السلام فقال : مالك طريق إلى ذلك في هذا الوقت ، قال : فخالفته وسافرت مع جماعة ، فلما صرنا بين الروضة والهمة مشينا ليلتنا فغوينا ، فأصبحنا حيث أوينا ، ثم مشينا فغوينا كذلك ثلاثة أيام ، فعرفت أن سبب غوايتنا مخالفتي للشيخ نجم الدين ، فقلت للجماعة : سافروا فما السبب المعوق لكم إلا أنا ، ثم رجعت إلى مكة ، وسافروا فلما كان بعد مدة استأذنت الشيخ نجم الدين في السفر ، فقال لي : سافر ، فتسهلت لي الطريق ، وارتفع التعويق . هذا يعني كلامه وإن اختلفت العبارة ، فلما وصل المدينة الشريفة وجد بعض المجاورين قد توفي ، وأوصى له بثياب ، فلبسها . قلت : وقد اقتصرت في ترجمة الشيخ نجم الدين الأصبهاني على هذه النبذة من فضائله ، وهذه القطرة من بحر لا يوصل إلى ساحله . وأما ترجمة الذهبي فغاضة من قدره بل طامسة لنور بدره ، حيث يقول في ترجمته : بهذه الألفاظ بعينها ، ومات بمكة في جمادى الآخرة العارف الكبير نجم الدين عبد الله بن محمد الأصبهاني الشافعي تلميذ الشيخ أبي العباس المرسي عن ثمان وسبعين سنة . جاور بمكة مدة ، وما زار النبي عليه السلام فيها ، وانتقد عليه الشيخ علي الزاهد رحمهما الله تعالى . هذه جميع ترجمته المقصرة في وصفه المنسوب إليه ، المنكرة في ترك الزيارة عليه ، وقد قدمت التنبيه على أعظم من هذا التمويه في إنكاره على شيخ شيخه أبي الحسن الشاذلي