عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي

196

مرآة الجنان وعبرة اليقظان

ورأيت قبيل قتله في المنام . كان القمر في السماء قد احترق بالنار ، وأظن أني رأيته سقط إلى الأرض ، وكان قبل ذلك بأيام قد جاء بجيش يريد أخذ مكة وقتل جماعة فيها من الفقهاء ، والمجاورين على ما قيل ، وقد كان مخرجاً منها . ومن جملة المذكورين ، القاضي الجليل الإمام الحفيل نجم الدين الطبري ، جاءني ، وهو خائف يقول : أين أذهب ، وعندي بنات . يعني لا أستطيع الذهاب عنهن ، فرأيت في المنام ، في ضحى ثاني ذلك اليوم الذي قال فيه : ذلك المقال كأني شاهدت النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وقبلت قدمه الشريفة ، وقلت : يا رسول الله نجم الدين ، فتبسم صلى الله عليه وآله وسلم ، وقال لي : " ما يصيبه شر " فقلت له : أهل مكة ، فانقبض عليه السلام ، ولم يجبني بجواب ، فأعدت عليه ذلك ، فلم يجبني ، ثم أعدت عليه ثالثاً فقال : " ما عليهم إلا خير " يقول ذلك بغير بشاشة منه ، ثم أقبل بالجيش عقب هذا المنام إلى أن بلغ بطن مر ، فخرج إليه أخوته عطيفة ، وعطاف ، وآخر من أخوته مع عسكر ضعيف ، فنصرهم الله عليه ، وكسروه ، فانهزم ولم يكن قبل ذلك يكسر ، بل كانت العربان تهابه هيبة عظيمة ، وكانت له سطوة ، وإقبال ، وسعادة عاجلة ، وكان يقول : كان لأبي نمي خمس فضائل ، الشجاعة ، والكرم ، والحلم والشعر ، والسعادة ، قال : فورثت هذه الخمس ، خمسة من أولاده ، فالشجاعة لعطيفة ، والكرم لأبي الغيث ، والحلم لرميثة ، والشعر لسليمة ، والسعادة لي حتى لو قصدت جبلاً لدهكته ، ثم قتل بعد كسرته المذكورة ، بعد أيام يسيرة . سنة إحدى وعشرين وسبع مائة فيها أطلق ابن تيمية بعد الحبس بخمسة أشهر ، وأقبلت الحرامية في جمع كثير ، فنهبوا في بغداد علانية سوق الثلاثاء ، فانتدب لهم عسكر ، فقتلوا فيهم مقتلة نحو المائة ، وأسروا جماعة . ووقع الحريق الكثير بالقاهرة ، ودام أياماً ، وذهبت الأموال ، ثم ظهر فاعلوه ، وهم جماعة من النصارى ، يعملون قوارير ينقدح ما فيها ، ويحرق ، فقتل جماعة وكان أمراً مزعجاً قيل : فعلوه ، لإخراب كنيسة لهم ، وأخرب ببغداد مواضع الفاحشة ، وارتفعت الخمور ، وأخربت كنيسة اليهود وحج تائب دمشق ، وفي صحبته خطيب البلد القاضي جلال الدين القزويني ، وجماعة من العلماء والأكابر . وفيها مات شيخ الشيعة ، وفاضلهم الشمس محمد بن أبي بكر بن أبي القاسم