عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي
146
مرآة الجنان وعبرة اليقظان
الناس . له كتاب وفيات الأعيان ، وهو من أحسن ما صنف في هذا الفن . قلت : ومن طالع تاريخه المذكور ، طلع على كثرة فضائل مصنفه ، وما رأيته يتتبع في تاريخه إلا الفضلاء ، ويطنب في تعديد فضائلهم من العلماء خصوصاً علماء الأدب والشعراء ، وأعيان أولى الولايات ، وكبراء الدولة من الملوك والوزراء والأمراء ، ومن له شهرة وصيت في الورى . لكنه لم يذكر فيه أحد من الصحابة رضي الله تعالى عنهم ، ولا من التابعين رحمة الله عليهم ، إلا جماعة يسيرة تدعو حاجة كثيرة من الناس إلى معرفة أحوالهم . كذا قال في خطبته قال : وكذلك الخلفاء لم أذكر أحداً منهم اكتفاء بالمصنفات الكثيرة في هذا الباب . قلت : كأنه يعني بالخلفاء المذكورين الخلفاء الأربعة رضي الله تعالى عنهم ، وما كان حاجة إلى ذكرهم ، فإنه قد ذكر أنه لم يذكر أحداً من الصحابة ، وكان حقهم أن يذكرهم قبل التابعين . بل قبل الصحابة ، وكلامه هذا يوهم أنه لم يذكر أحداً من الخلفاء الذين هم الملوك من بني العباس وغيرهم ، ولي كذلك بل قد ذكرهم ، فليفهم ذلك فإنه موهم . رجعنا إلى تمام كلامه قال : لكن ذكرت جماعة من الأفاضل الذين شاهدتهم ، ونقلت عنهم ، أو كانوا في زمني ، ولم أرهم ليطلع على حالهم من يأتي من بعدي . قلت : وكلامه هذا أيضاً ليس بصائب ، فإنه يوهم أنه لم ينقل إلا عن الذين عاصرهم ، وليس بصحيح ، فإنه لم يقتصر على ذلك بل هو كما ذكر في خطبته قبل هذا قال : ولم أقصر هذا المختصر على طائفة مخصوصة مثل العلماء والملوك والأمراء والوزراء والشعراء ، بل كل من كان له شهرة بين الناس ، ويقع السؤال عنه قال : وذكرت من محاسن كل شخص ما يليق به من مكرمه ، أو نادرة شعر أو رسالة ليتفقه متأمله ، ولا يراه مقصوراً على أسلوب واحد ، فيمله والدواعي إنما تنبعث لتصفح الكتاب إن كان مفننا . وذكر أنه كان ترتيبه لتاريخه المذكور في شهور سنة أربع وخمسين وست مائة بالقاهرة المحروسة . ثم قال في آخره : نجز الكتاب بحمد الله وعونه في يوم الاثنين من جمادى الآخرة سنة اثنتين وسبعين وست مائة بالقاهرة المحروسة ، ثم قال : يقول الفقير إلى الله تعالى أحمد بن محمد بن إبراهيم بن أبي بكر ابن خلكان مؤلف هذا الكتاب : إنني كنت قد شرعت في هذا الكتاب في التاريخ المذكور في أوله على الصورة التي شرحتها هناك مع استغراق الأوقات في فصل القضايا الشرعية والأحكام الدينية بالقاهرة المحروسة ، فلما انتهيت فيه إلى آخر ترجمة يحيى بن خالد حصلت لي حركة إلى الشام المحروس في خدمة