عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي

147

مرآة الجنان وعبرة اليقظان

الركاب الشريف العالي المولوي السلطان المؤيدي المنصوري الغياثي المالكي الظاهري بيبرس قسيم أمير المؤمنين حمد الله تعالى سلطانه ، وشيد بدوام دولته قواعد الملك ، وثبت أركانه ، فدخلنا دمشق سابع ذي القعدة من سنة تسع وخمسين وست مائة ، وقلدني الأحكام بالبلاد الشامية يوم الخميس ثامن ذي الحجة من السنة المذكورة ، فتراكمت الأشغال ، وكثرت الموانع الصارفة عن إتمام هذا الكتاب ، فاقتصرت على ما كان قد أثبته من ذلك ، وختمت الكتاب ، واعتذرت في آخره بهذه الشواغل عن إكماله ، وقلت : إن قدر الله تعالى مهلة في الأجل ، وتسهيلاً في العمل استأنفت كتاباً يكون جامعاً لجميع ما تدعو الحاجة إليه ، ثم حصل الانفصال عن الشام والرجوع إلى الديار المصرية ، وكانت مدة المقام بدمشق المحروسة عشر سنين لا تزيد ولا تنقص ، فلما وصلت إلى القاهرة صادفت بها كتباً كنت أوثر الوقوف عليها ، وما كنت أتفرغ لها ، فلما صرت أفرغ من حجام ساباط بعد أن كنت أشغل من ذات النحيين كما يقال في هذين المثلين . طالعت تلك الكتب وأخذت منها حاجتي ، ثم تصديت لإتمام هذا الكتاب حتى كمل على هذه الصورة ، وأنا على عزم الشروع في الكتاب الذي وعدت به إن قدر الله عز وجل ذلك ، والله تعالى يعين عليه ، ويسهل الطريق المؤدية إليه . فمن وقف على هذا الكتاب من أهل العلم ، ورأى فيه شيئاً من الخلل ، فلا يعجل بالمؤاخذة ، فإني توخيت فيه الصحة حسب ما ظهر لي مع أنه كما يقال : أبى الله أن يصح إلا كتابه . لكن هذا جهد المقل ، وبذل الاستطاعة ، ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها ، ولا يكلف الإنسان ما لا تصل قدرته إليه ، وفوق كل في علم عليم ، فالله يستر عيوبنا بكرمه الضافي ، ولا يكدر علينا ما منحنا به من مشرع إعطائه النمير الصافي . إن شاء الله تعالى . انتهى كلامه مع حذفي لألفاظ يسيرة منه كقوله السلطان الماجدي المرابطي الشاعري المنعمي المحسني مما يطنب فيه من مدح أهل الدنيا من الملوك وغيرهم ، وألفاظ أخرى لا تدعو الحاجة إلى استيعابها ذكراً ، وغفرانك اللهم غفراً ، ثم عزل القاضي شمس الدين المذكور بابن الصباغ ثانياً واستمر معزولاً وبيده المدرسة الأمينية والنجيبية إلى أن توفي في شهر رجب في السنة المذكورة ، وشيعه خلق كثير . وقد روى عنه قاضي القضاة نجم الدين ابن صصري وبه تخرج الشيخ أبو الحجاج المزي ، ومؤرخ الشام الحافظ علم الدين البرزالي وخلق ، ومن شعر القاضي شمس الدين ابن خلكان : أي ليل على المحب أطاله * سائق الظعن يوم زم رحاله