عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي

128

مرآة الجنان وعبرة اليقظان

قاضي القضاة أبي الحسن أبي قاضي القضاة منتجب الدين القرشي الدمشقي الشافعي ، تفقه على الفخر ابن عساكر ، وولي قضاء دمشق مرتين ، وكان صدراً معظماً معروفاً بالفضائل . وقال الذهبي : له في ابن العربي عقيدة تجاوز حد الوصف ، قال : وكان يفصل علياً على عثمان ، ثم نسبه إلى التشيع ، وجعل التفضيل المذكور كالعلة لتشيعه . قلت : وهذا من الذهبي العجب العجاب أما علم أن جماعة من أكابر أئمتنا المحققين ذهبوا إلى تفضيل علي على عثمان . منهم الأئمة الجلة سفيان الثوري ، ومحمد بن إسحاق ، والحسين بن الفضل ، بل هو منسوب إلى أهل الكوفة قاطبة ، ولهذا قال الإمام سفيان الثوري لما سئل عن اعتقاده في ذلك : أنا رجل كوفي : وقد أوضحت رجحان الدليل على هذا في كتاب المرهم في الأصول ، وأن علياً رضي الله عنه اجتمع فيه من الفضائل في آخر عمره ما لم يكن في أوله ، وقد قدمت قصيدة ذكرت فيها التفضيل المذكور ، والإشارة إلى فضائل الكل منهم رضي الله تعالى عنهم في ترجمة علي كرم الله وجهه ، ولكن لو نسب إلى التشيع بسبب ما ذكر عنه في تاريخه من أنه هو القائل البيتين اللذين ذكرهما في كتابه ونسبهما إليه ، كان أنسب إذ في ذلك التصريح أن علياً رضي الله تعالى عنه هو الوصي حيث قال : أدين بما دان الوصي ولا أرى * سواه ، وإن كانت أمية محتدي ولو شهدت صفين خيلي لأعذرت * وساء بني حرب هنالك مشهدي وأما ما ذكر من اعتقاده ابن العربي ، فليس هو مختصاً بذلك دون غيره ، فقد قدمت أن الناس في ذلك على ثلاثة مذاهب . بعضهم اعتقده وغلا في تفضيله ، وبعضهم كفره وغلا في تكفيره ، وبعضهم توقف فيه ، ومن جملة الفقهاء الذين اعتقدوه الإمام الكبير الفاضل الشهير ابن الزملكاني ، وشرح كتابه " الفصوص " الذي هو أشد كتبه إشكالاً ، وقد تقدم أيضاً في ترجمة ابن العربي أنه شرحه ، ثم ذكر بعد ذلك أن أبا الفضل المذكور سار إلى خدمة هولاو فكرمه وولاه قضاء الشام ، وخلع عليه خلعة سوداء مذهبة ، فلما تولى الملك الظاهر أبعده إلى مصر ، وألزمه بالمقام بها وبها توفي . سنة تسع وستين وست مائة فيها افتتح السلطان حصن الأكراد السيف ، ثم نازل حصن عكا ، وأخفه بالأمان ، فبذل له صاحب طرابلس ، وبذله ما أراد ، وعانه عشر سنين . وفيها جاء سيل عرم ، فغلقت أبواب دمشق ، وطفى الماء ، وارتفع وأخذ البيوت