عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي
34
مرآة الجنان وعبرة اليقظان
بالليل مع جماعة من غلمانه إلى عكبراء ، ونهبت داره من الغد . في السنة المذكورة سار الملك المسعود بن محمود بن ناصر الدين ، فدخل أصفهان بالسيف ، ونهب وقتل علماء لا يحصون ، ففعل ما لا يفعله الكفرة . وفيها توفي الحافظ أبو الحسن علي بن أحمد النعيمي البصري . قال الخطيب : كان حافظاً عارفاً متكلماً شاعراً . وفيها توفي ابن البواب الكاتب علي بن هلال . قيل ليس له في الكتابة مثل ولا مقارب ، وإن كان أبو علي أول من نقل هذه الطريقة من الخط الكوفي ، وأبرزها في هذه الصورة ، وله بذلك فضيلة السبق ، وخطه أيضاً في نهاية الحسن ، لكن ابن البواب هذب طريقته ، ونقاها ، وكساها حلاوة وبهجة ، والكل معترفون له بالتفرد ، وعلى منواله ينسجون ، وليس فيهم من يلحق شأنه ، ولما توفي رثي بهذين البيتين : استشعر الكتاب فقدك سالفاً * وقضت بصحة ذلك الأيام فلذاك سودت الروي كأنه * أسف عليك وشقت الأقلام وروى ابن الكلبي الهيثم بن العدي أن ناقل هذه الكتابة من الحيرة إلى الحجاز هو حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف ، وكان قد قدم الحيرة ، فعاد إلى مكة بهذه كتابة ، وقال لأبي سفيان بن حرب : ممن أخذ أبوك هذه الكتابة ؟ فقال : من أسلم بن نذر ، وقال : سألت أسلم ممن أخذ الكتابة فقال : من واضعها ، من عامر بن مرة . قالوا : فحدوث هذه الكتابة قبل الإسلام بقليل . وكان لحمير كتابة تسمى المسند ، وحروفها منفصلة غير متصلة ، وكانوا يمنعون العامة من تعليمها ، فلا يتعاطاها أحد إلا بإذنهم ، فجاءت ملة الإسلام ، وليس بجميع اليمن من يقرأ ويكتب ، وجميع كتابات الأمم من سكان الشرق والغرب اثنتا عشرة كتابة ، وهي العربية والحميرية واليونانية والفارسية والسريانية والعبرانية الرومية والقبطية والبربرية والأندلسية والهندية والصينية . سنة أربع وعشرين وأربع مائة فيها اشتد الخطب ببغداد بسبب الحرامية وأخذهم أموال الناس عياناً ، يأخذون للتاجر ما قيمته عشرة آلاف دينار ، وقتلوا صاحب الشرطة ، وباقي الناس لا يجسرون يقولون : فعل بنا فلان كذا ، خوفاً منه . وزادت العملات والكبسات ووقع القتال ، وأحرقت أماكن وأسواق