عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي
30
مرآة الجنان وعبرة اليقظان
وكاد أن يستولي الخراب إلى بغداد ، لضعف الهيبة وتتابع السنين ، فاجتمع الهاشميون في جامع المنصور ، ورفعوا المصاحف ، واستنفروا الناس ، فاجتمع إليهم الفقهاء وخلق من الإمامية والرافضة ، وضجوا بأن يعفوا من الترك ، فعمد الترك نعود بالله من الضلال فرفعوا صليباً على رمح ، وترامى الفريقان بالنشاب والآجر ، وقتل طائفة ، ثم تهاجروا ، وكثرت العملات والكبسات ، وأخذت المخازن الكبار والدور ، وتجدد دخول الأكراد اللصوص إلى بغداد ، فأخذوا خيول الأتراك من الاصطبلات . وفيها توفي السلطان محمود ابن الأمير ناصر الدولة أبو منصور . كان أبوه أمير الغزاة الذين يغزون من بلاد ما وراء النهر على أطراف الهند ، وأخذ عدة قلاع ، وافتتح ناحية بست . وأما محمود فافتتح غزنة ثم بلاد ما وراء النهر ، ثم استولى على سائر خراسان ، ودان له الخلق على اختلاف أجناسهم ، وفرض على نفسه غزو الهند كل عام ، فافتتح منه بلاداً واسعة ، وقد مضى ذكر شيء من فتح البلاد البعيدة ، وصفاته الجميلة الحميدة ، وعلو همته الشريفة ، ورجوعه عن مذهب أبي حنيفة إلى مذهب الشافعي رضي الله تعالى عنهما ، في القضية المتقدمة في السنة العاشرة بعد الأربعمائة . وفيها توفي الإمام أحمد بن محمد المعروف بابن دراج الأندلسي الشاعر . قال الثعالبي : كان يصقع الأندلس كالمتنبي يصقع الشام . ومن أشعاره ما عارض بها قصيدة أبي نواس التي مدح بها الخصيب صاحب ديوان خراج مصر ومنها قوله : تقول التي من بيتها خف محمل * عزيز علينا أن نراك تسير أما دون مصر للغني مطلب * بلى إن أسباب الغنى لكثير فقلت لها واستعجلتها بوادر * جرت فجرى من حرهن عبير درين أكثر حاسديك برحلة * إلى بلدة فيها الخصيب أمير فما حازه جود ولا حل دونه * ولكن يصير الجود حيث يصير فتى يشتري حسن الثناء بماله * ويعلم أن الدائرات تدور فمن كان أمسى جاهلاً بمقالتي * فإن أمير المؤمنين خبير ثم قال في أواخرها بعد ذكر المنازل : زها بالخصيب السيف والرمح في الوغى * وفي السلم يزهو منبر وسرير جواد إذا الأيدي قبضن عن الندى * ومن دون عورات النساء غيور فإني جدير إن بلغتك للغنى * وأنت لما أملت منك جدير فإن تولني منك الجميل فأهله * وإلا فإني عاذر وشكور