عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي

13

مرآة الجنان وعبرة اليقظان

أبي طاهر محمد بن أحمد الأسفرائيني الفقيه الشافعي ، شيخ طريقة العراق ، وإمام الشافعية بالاتفاق . انتهت إليه رئاسة الدنيا والدين ببغداد ، وكان يحضر مجلسه أكثر من ثلاثمائة فقيه هكذا ذكر بعضهم ، وقال بعضهم : سبع مائة فقيه ، علق على مختصر المزني تعاليق ، وطبق الأرض بالأصحاب ، وله في المذاهب : التعليقة الكبرى في نحو خمسين مجلداً ، وكتاب البستان ، ذكر فيه غرائب ، وهو كتاب صغير . أخذ الفقه عن أبي الحسن بن المرزباني ، ثم عن أبي القاسم الداركي . واتفق أهل عصره على جلالته وتفضيله وتقديمه في جودة النظر . وذكر الخطيب أنه حدث بشيء يسير عن عبد الله بن عدي ، وأبي بكر الإسماعيلي ، وإبراهيم بن محمد الأسفرائيني وغيرهم . وقال : وكان ثقة ، ورأيته غير مرة ، وحضرت تدريسه ، وسمعت من يذكر أنه كان يحضر درسه سبعمائة متفقه . وكان الناس يقولون : لو رآه الشافعي لفرح به . وحكى الشيخ أبو إسحاق في كتاب الطبقات أن أبا الحسن القدوري كان يعظمه ويفضله على كل أحد ، وأن الوزير أبا القاسم علي بن الحسن حكى له عن القدوري أنه قال : أبو حامد عندي أفقه وأنظر من الشافعي . قال الشيخ أبو إسحاق : فقلت له : هذا القول من القدوري ، حمله عليه اعتقاده في الشيخ أبي حامد ، وتعصبه للحنفية على الشافعي ، ولا يلتفت إليه فإن أبا حامد ، ومن هو أعلم منه وأقدم على بعد من تلك الطبقة ، وما مثل الشافعي ومثل من بعده إلا كما قال الشاعر : نزلوا بمكة في قبائل نوفل * ونزلت بالبيداء أبعد منزل وقال تلميذه الإمام سليم الرازي : كان لا يخلو له وقت عن اشتغال ، حتى إنه كان إذا أبرأ القلم قرأ القرآن أو سبح ، وكذلك إذا كان ماراً في الطريق . وروى القاضي الإمام طاهر ابن الإمام العلامة صاحب البيان يحيى بن أبي الخير العمراني اليمني بسنده عن بعض شيوخه بالسند المتصل عن الإمام أبي الفتوح يحيى بن عيسى بن ملامس ، عن والده قال : لقيت الشيخ الإمام أبا حامد الأسفرائيني بمكة في بعض المواسم ، فرأيت عليه ثياباً ثمينة من ثياب الملوك ، ورأيته يركب مراكب الملوك ، ورأيته في الطواف والناس يعظمونه فقرأ في الطواف قارىء : " تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علواً في الأرض ولا فساداً " - القصص 83 - فبكى الشيخ أبو حامد بكاء شديداً ، وسمعته يقول : أما العلو يا رب فقد أردناه ، وأما الفساد فلم نرده . وروي أنه قابله بعض الفقهاء في مجلس المناظرة بما لا يليق ، ثم أتاه في الليل معتذراً إليه ، فأنشده أبو حامد : جفاء جرى جهراً لدى الناس وانبسط * وعذراً أتى سراً فأكد ما فرط