عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي

339

مرآة الجنان وعبرة اليقظان

سنين ، ثم رخص لهم في الردة كونهم مكرهين ، وقال : تنزه مساجدنا عمن لا نية له في الإسلام . وفيها توفي أبو الفضل أحمد بن الحسين الهمداني الأديب العلامة بديع الزمان ، صاحب المقامات الفائقة التي هي بالاختراع سابقة ، وعلى منوالها نسج الحريري مقاماته ، واحتذى حذوه واقتفى أثره ، واعترف في خطبته بفضله ، وأنه الذي أرشده إلى سلوك ذلك المنهج ، وإلى ذلك أشار بقوله : فلو قبل مبكاها بكيت صبابة * بسعدى شفيت النفس قبل التندم ولكن بكت قبلي فهيج لي البكا * بكاها ، فقلت الفضل للمتقدم والبديع المذكور أحد الفضلاء الفصحاء ، وله رسائل بديعة ونظم مليح ، سكن هراة من بلاد خراسان . فمن رسائله الماء إذا طال مكثه ظهر خبثه ، وإذا سكن متنه تحرك نتنه . فكذلك الضيف ، يسمح لقاؤه إذا طال ثواؤه ، ويثقل ظله إذا انتهى محله والسلام . ومن رسائله أيضاً : حضرته التي هي كعبة المحتاج ، لا كعبة الحجاج ، ومشعر الكرام لا مشعر الحرام ، ومنى الضيف لا منى الخيف ، وقنبلة الصلاة لا قبلة الصلاة وله من تعزية الموت خطب قد عظم حتى هان ، ومس خشن حتى لان ، والدنيا قد تنكرت حتى صار الموت أخف خطوبها ، وجنت حتى صار أصغر ذنوبها ، فانظر يمنة ، هل ترى إلا محنة ، ثم انظر يسرة هل ترى إلا حسرة ؟ ! ومن شعره من جملة قصيدة طويلة : وكاد يحكيك صوب الغيث منسكباً * لو كان طلق المحيا يمطر الذهبا والدهر لو لم يحن والشمس لو نطقت * والليث لو لم يصد والبحر لو عذبا وله كل معنى مليح حسن من نظم ونثر توفي رحمة الله مسموماً بهراة . وقال بعضهم : سمعت الثقات يحكون أنه مات من السكتة ، وعجل دفنه ، فأفاق في قبره ، وسمع صوته بالليل ، ونبش عنه ، فوجد قد قبض على لحيته ، ومات من هول القبر والله أعلم . سنة تسع وتسعين وثلاثمائة فيها رجع الركب العراقي خوفاً من ابن الجراح الطائي ، فدخلوا بغداد قبل العيد . وأما ركب البصرة فأجازه بنو زغب الهلاليون . وقال ابن الجوزي : أخذوا للركب ما قيمته ألف ألف دينار . وفيها توفي أحمد بن محمد الدارمي الشاعر المشهور ، كان من فحول شعراء عصره