عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي

325

مرآة الجنان وعبرة اليقظان

قال الإمام الحافظ أبو بكر بن إسماعيل : أبو الحسين الواعظ المعروف بابن شمعون كان واحد دهره ، وفريد عصره في الكلام على الخواطر والإشارات ، ولسان الوعظ دون ناس حكمه ، وجمعوا كلامه ، قال : وكان بعض شيوخنا إذا حدث عنه قال : حدثنا الشيخ جليل المنطق بالحكمة أبو الحسين بن شمعون . وقال الشيخ أبو عبد الرحمن السلمي : محمد بن أحمد بن شمون لسان الوقت ، والمرجوع إليه في آداب الظاهر ، يذهب إلى أشد المذاهب ، وهو إمام التكلم على هذا الشأن في الوقت ، والمعبر عن الأحوال بألطف بيان ، مع ما يرجع إليه من صحة الاعتقاد ، وصحبة الفقراء . وروى الحافظ أبو القاسم ابن عساكر بسنده إلى أبي بكر الأصفهاني خادم الشيخ أبي بكر الشبلي قال : كنت بين يدي الشبلي في الجامع ، يوم الجمعة ، فدخل أبو الحسين ابن شمعون وهو صبي على رأسه قلنسوة فجاز علينا ، وما سلم ، فنظر الشبلي إلى ظهره وقال : يا أبا بكر : أتدري أي شيء لله تعالى في هذا الفتى من الذخائر . وبسند الحافظ أبي القاسم إلى النجيب عبد الغفار بن عبد الواحد الأموي قال : كان القاضي أبو بكر الأشعري ، وأبو حامد يقبلان يد ابن شمعون يعني الإمامين ناصر السنة وقامع البدعة شيخ الأكابر من أئمة الأصول الجهابذة الحذاق ، والإمام الكبير السيد الشهير شيخ طريقة العراق . قال : وكان القاضي - يعني الباقلاني - يقول : ربما خفي علي من كلامه بعض شيء لدقته . وروى الحافظ أبو القاسم أيضاً بسنده : إنه كان في أول عمره ينسخ بأجرة ، ويعول بأجرة نسخه على نفسه وعلى أمه ، وكان كثير البر لها فجلس يوما ينسخ وهي جالسة بقربه فقال لها : أحب أن أحج ، قالت : يا ولدي ، كيف يمكنك الحج ، وما معك نفقة ، ولا لي ما أنفقه . إنما عيشنا من أجرة هذا النسخ ، وغلب عليها النوم ، فنامت ، وانتبهت بعد ساعة فقالت : يا ولدي ، حج ، فقال لها : منعت قبل النوم ، وأذنت بعده . فقالت : رأيت الساعة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو يقول : دعيه ، فإن الخيرة له في حجه في الآخرة والأولى . ففرح ، وباع من دفاتره ماله قيمة ، ودفع إليها من ثمنها نفقتها ، وخرج مع الحجاج ، فأخذ العرب الحاج ، وأخذ في الجملة . قال ابن شمعون : فبقيت عرياناً ، فوجدت مع رجل عباءة كانت على عدل ، فقلت له : هب لي هذه العباءة أستر نفسي بها ، فقال : خذها ، فجعلت نصفها على وسطي ، ونصفها على كتفي وكان عليها مكتوب : يا رب سلم مبلغ رحمتك ، يا أرحم الراحمين . وكنت إذا غلب علي الجوع ، ووجدت قوماً يأكلون ، وقفت أنظر إليهم ، فيدفعون إلي كسرة ، فأقنع بها ذلك اليوم . ووصلت إلى مكة ، فغسلت العبادة ، وأحرمت بها ، وسألت أحد بني شيبة أن يدخلني البيت . وعرفته فقري ، فأدخلني بعد خروج الناس ، وأغلق الباب ، فقلت : اللهم