عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي

326

مرآة الجنان وعبرة اليقظان

أنك بعلمك غني عن إعلامي بحالي ، اللهم ارزقني معيشة أستغني بها عن سؤال الناس ؟ فسمعت قائلاً يقول من ورائي : اللهم إنه ما يحسن أن يدعوك ، اللهم ارزقه عيشاً بلا معيشة . فالتفت فلم أر أحداً ، فقلت : هذا الخضر أو أحد الملائكة الكرام على الجميع السلام قال : فأعدت القول ، فأعاد الدعاء ، فأعدت ، فأعاد ثلاث مرات وعدت إلى بغداد ، وكان الخليفة قد حرم جارية من جواريه ، وأراد إخراجها من الدار ، فكره ذلك إشفاقاً عليها . قال أبو محمد ابن السني : فقال الخليفة : اطلبوا رجلاً مستوراً ، يصلح أن يزوج هذه الجارية . فقال بعض من حضر : قد وصل ابن شمعون من الحج ، وهو يصلح لها ، فاستصوب الجماعة قوله ، وتقدم بإحضاره وبكل حضار الشهود فأحضروا ، وزوج بالجارية ، ونقل معها من المال والثياب والجواهر ما يحمل بالملوك . وكان ابن شمعون يجلس على الكرسي للوعظ فيقول : أيها الناس ، خرجت حاجاً ، وكان من حالي كذا وكذا وشرح حاله جميعه وأنا اليوم علي من الثياب ما ترون ، ووطئتي ما تعرفون ، ولو وطئت على العتبة تألمت من الدلال ، ونفسي تلك . وروى الحافظ والخطيب عنه : إنه خرج من مدينة النبي صلى الله عليه وآله وسلم قاصداً بيت المقدس ، وحمل في صحبته تمراً صيحانياً ، فلما وصل إلى بيت المقدس طالبته نفسه بأكل الرطب ، فأقبل عليها باللائمة ، وقال : من أين لنا في هذا الموضع رطب . فلما كان وقت الافطار ، عمد إلى التمر ليأكل منه ، فوجده رطباً صيحانياً ، فأكل منه شيئاً ، ثم عاد إليه من الغد ، فوجده تمرا على حالته ، فأكل منه ، أو كما قال . وكان له حسن الوعظ ، وحلاوة الإشارة ، ولطف العبارة . أدرك جماعة من جلة المشايخ ، وروى عنه منهم الشيخ الكبير العارف أستاذ الطريقة ، ولسان الحقيقة ، وبحر المعارف أبو بكر الشبلي ، وروى عن أبي بكر بن داود وجماعة ، وأملى عدة مجالس ، وروى الصاحب بن عباد قال : سمعت ابن شمعون يوماً ، وهو على الكرسي في مجلس وعظ يقول : سبحان من أنطق باللحم ، وبصر بالشحم ، وأسمع بالعظم إشارة إلى اللسان والعين والأذن وهذه عن لطائف الإشارات . ومن كلامه أيضاً : رأيت المعاصي نزلة ، فتركتها مروءة ، فاستحالت ديانة . وله كل معنى لطيف كان لأهل العراق فيه اعتقاد كثير ، ولهم به غرام شديد ، وإياه عنى الحريري في المقامة الحادية والعشرين وهي الرازية بقوله في أوائلها : رأيت ذات بكرة زمرة أسرر تمرات ، . وهم منتشرون انتشار الجراد ، مستنون استنان الجياد ، ومتواصفون واعظاً يقصدونه ، ويجعلونه ابن شمعون دونه وكان مولده سنة ثلاثمائة ، وتوفي رحمه الله في نصف ذي القعدة يوم الجمعة ، وقيل ذي الحجة من السنة المذكورة ، ولم يخلف ببغداد بعده