عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي
293
مرآة الجنان وعبرة اليقظان
والعربية ، وكان مع ذلك حافظاً للحديث والفقه والخبر والنوادر ، راوياً للأشعار والآثار ، لا يلحق شاوه ، ولا يشق غباره ، روى عنه الشيوخ والكهول . وكان قد لقي مشايخ عصره بحضرة الأندلس ، وأخذ عنهم ، وصنف الكتب المفيدة في اللغة ، منها كتاب " تصاريف الأفعال " وهو الذي فتح هذا الباب ، فجاء من بعده ابن القطاع ، ولقد أعجز من يأتي بعده وفاق من تقدمه ، وكان مع هذه الفضائل من العباد النساك ، وكان جيد الشعر ، صحت الألفاظ واضح المعاني ، حسن المطالع والمقاطع ، إلا أنه ترك ذلك ورفضه . حكى الأديب الشاعر يحيى بن هذيل التميمي أنه توجه يوماً إلى ضيعة له بسفح جبل قرطبة ، وهي من بقاع الأرض الطيبة المونقة ، فصادف ابن القوطية المذكور صادراً عنها وكانت له أيضاً هناك ضيعة ، قال : فلما رآني خرج علي واستبشر بلقائي ، فقلت له على البداهة مداعباً له : من أين أقبلت يا من لا شبيه له * ومن هو الشمس ، والدنيا له فلك قال فتبسم وأجاب بسرعة : من منزل يعجب النساك خلوته * وفيه ستر على الفتاك إن فتكوا قال : فما تمالكت أن قبلت يده ، إذ كان شيخي ، ومجدته ، ودعوت له و " القوطية " " بضم القاف وسكون الواو وكسر الطاء المهملة وتشديد المثناة من تحت وبعدها هام " جدة جد نسبة إلى قوط بن حام بن نوح عليه السلام ، وقوط أبو السودان والهند والسند ، وكانت القوطية المذكورة وفدت إلى هشام بن عبد الملك في الشام متظلمة من عمها ، فتزوجها عيسى بن مزاحم ، وسافر بها إلى الأندلس . سنة ثمان وستين وثلاثمائة فيها توفي أبو سعيد الحسين بن عبيد الله . وقال بعضهم : ابن عبد الله بن المرزباني السيرافي النحوي . كان من أعلم الناس بنحو البصريين ، وشرح كتاب سيبويه ، وأجاد فيه ، وشرح مقصورة ابن دريد ، وله تصانيف أخرى ، وتصدر لإقراء القراءات والنحو واللغة والفقه والفرائض والحساب والكلام والشعر والعروض والقوافي ، وكان نزهاً عفيفاً جميل