عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي
277
مرآة الجنان وعبرة اليقظان
الأخشيذ إلى هذا التاريخ . وكانت بلاد الشام في مملكته أيضاً مع مصر ، وكان يدعى له على المنابر بمكة والحجاز جميعه ، والديار المصرية وبلاد الشام ، من دمشق وحلب وأنطاكية وطرسوس ومصيصة وغير ذلك ، وعاش نيفاً وستين سنة . سنة سبع وخمسين وثلاث مائة لم يحج الركب فيها لفساد الوقت وموت للسلاطين في الشهور الماضية . وفيها توفي الحافظ صاحب التصانيف أبو سعيد النخعي البسري . وفيها توفي المتقي لله أحمد بن الموفق العباسي المخلوع المسمول العينين ، توفي في السجن وكانت خلافته أربع سنين ، وكان فيه صلاح وكثرة صلاة وصيام ، ولم يكن يشرب ، وفي خلافته انهدمت القبة الخضراء المنصورية التي كانت فخر بني العباس . وفيها توفي الحافظ المحدث عمر بن جعفر البصري رحمه الله . وفيها توفي أبو فراس الحارث بن أبي العلاء ، سعيد بن حمدان ، ابن عم سيف الدولة . قال الثعالبي في وصفه : كان فرد دهره ، وشمس عصره أدباً وفضلاً ، وكرماً ومجداً وبلاغة وبراعة ، وفروسية وشجاعة ، وشعره مشهور سائر بين الحسن والجودة ، والسهولة والجزالة ، والعذوبة . والفخامة والحلاوة ومعه ذو الطبع وسمة الظرف وعزة الملك ولم تجتمع هذه الخلال قبله إلا في شعر عبد الله بن المعتز . وأبو فراس يعد أشعر منه عند أهل الصنعة ونقدة الكلام . وكان ابن عباد يقول بدىء الشعر بملك ، وختم بملك ، يعني امرئ القيس وأبا فراس . وكان المتنبي يشهد له بالتقدم والتبريز ، ويتحامى جانبه ، ولا يمتري لمماراته ، ولا يجتزي لمجازاته ، وإنما لم يمدحه ومدح من دونه من آل حمدان ، إعظاماً وإجلالاً ، لا إغفالاً وإخلالاً ، وكان سيف الدولة يعجب جداً بمحاسن أبي فراس ، ويميزه بالإكرام على سائر قومه ، ويستصحبه في غزواته ، ويستخلفه في أعماله . وكانت الروم أسرته في بعض وقائعها ، وهو جريح قد أصابه سهم ، بقي نصله في فخذه ، وأقام في الأسر أربع سنين في قسطنطينية ، وأسرته الروم مرة قبلها ، وذهبوا إلى قلعة يجري الفرات تحتها ويقال أنه ركب فرسه ، وركض برجله ، فأهوى به من أعلى الحصن إلى الفرات . وقيل أنه لما مات سيف الدولة عزم على التغلب على حمص ، فاتصل خبره بأبي المعالي بن سيف الدولة وغلام لأبيه ، فأنفذ إليه من قاتله ، فأخذ وقد ضرب ضربات فمات في الطريق ، وقيل : بل مات من حرب بينه وبين موالي أسرته ، وقال بعضهم : كان أبو فراس خال أبي المعالي ، فقلعت أم أبي المعالي عينها ، لما بلغها وفاته ، وقيل : بل لطمت وجهها فقلعت عينها . وقيل : بل قتله غلام سيف الدولة ، ولم يعلم أبو المعالي ، فلما بلغه الخبر