عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي

241

مرآة الجنان وعبرة اليقظان

وجعله مثلا للدنيا وأهلها ، فرتب الرقعة اثني عشر بعدد شهور السنة ، وجعل القطع ثلاثين قطعة بعدد أيام كل شهر ، وجعل الفصوص مثل القدر ، ويقبله أهل الدنيا فالكلام في هذا يطول ويخرج عما نحن بصدده ، فافتخرت الفرس بوضع النرد على ملك الهند ، وكان ملك الهند يومئذ بلهيت " بفتح الموحدة وسكون اللام وفتح الهاء وسكون المثناة من تحت وبعدها مثناة من فوق على ما ضبطه بعض الناسخين " والله أعلم بصحة ذلك . قلت : واسم الملك المذكور مخالف لما تقدم ، من أن اسم الملك الذي وضع له شيرام ، ويحتمل أن يكون أحد اللفظين إسماً له ، والآخر لقباً . فلما وضع الشطرنج المذكور قضت حكماء ذلك العصر بترجيحه على النرد ، ويقال أن " صصه " لما وضعه وعرضه على الملك المذكور أعجبه ، وفرح به كثيراً ، وأمر أن يكون في بيت الديانات ، ورآها أفضل ما عمل ، لأنها آلة الحرب ، وعز الدين والدنيا ، وأساس لكل عدل ، وأظهر الشكر والسرور على ما أنعم عليه في ملكه بها . وقال لصصه : اقترح علي ما تشتهي ، فقال : اقترحت أن تضع حبة بر في البيت الأول ، ولا تزال تضعفها في كل بيت حتى تنتهي إلى آخرها ، فمهما بلغ تعطيني . فاستصغر الملك ذلك ، وأنكر عليه كونه قابله بالبر واليسير التافه الحقير ، وكان قد أضمر له شيئاً كثيراً فقال : ما أريد إلا هذا ، وأصر على ذلك ، فأجابه إلى مطلوبه ، وتقدم له به ، فلما قيل لأرباب الديوان أحسبوه قالوا : ما عندنا حب يفي بهذا ، ولا بما يقاربه . فلما قيل للملك ذلك استنكر هذه المقالة ، وأحضر أرباب الديوان ، وسألهم فقالوا : لو جمع كل حب من البر في الدنيا ، ما بلغ هذا القدر ، فتعجب من مقالهم ، وطالبهم بإقامة البرهان على ذلك ، فقعدوا وحسبوه ، وظهر لي صدق قولهم ، فقال الملك : لصصه : أنت في اقتراحك ما اقترحت أعجب حالاً من وضعك الشطرنج . قال ابن خلكان : وطريق هذا التضعيف أن يضع الحاسب في البيت الأول حبة ، وفي الثاني حبتين ، وفي الثالث أربع حبات ، وفي الرابع ثماني حبات ، وهكذا إلى آخره ، فكلما انتقل إلى بيت أضعف ما قبله ، وأثبته فيه . قال : ولقد كان في نفسي شيء من هذه المبالغة حتى اجتمع لي بعض حساب الإسكندرية ، وذكر لي طريقاً يتبين صحة ما ذكروه ، وأحضر لي ورقة بصورة ذلك ، وهو أنه ضاعف الأعداد إلى البيت السادس عشر ، وأثبت فيه وثلاثين ألفاً وسبع مائة وثماني وستين حبة ، وقال : يجعل هذه الجملة مقدار قدح ، قال : فغيرناها ، فكانت كذلك ، والعهدة عليه في هذا النقل ، ثم ضاعف القدح في أبي السابع عشر ، وهكذا حتى بلغ بيته في البيت العشرين ، ثم انتقل إلى الوبيات ومنها إلى الأرادب ، ولم يزل يضاعفها حتى انتهت في الأربعين إلى مائة ألف أردب ، وأربعة وسبعين ألف أردب وسبع مائة واثنتين وستين أردباً وثلاثين أردباً . وقال : يجعل هذه الجملة في شونة ، فقال : يجعل هذه مدينة ، فإن المدينة لا يكون فيها أكثر من هذه الشون ، وأي مدينة يكون فيها هذه الجملة من الشون ؟ . ثم ضاعف المدن حتى انتهت إلى بيت الرابع والستين ، وهو آخر أبياته ، دفعه الشطرنج إلى ستة عشر ألف مدينة وثلاثمائة وأربع وثمانين مدينة ، وقال : نعلم أن ليس في الدنيا مدن أكثر من هذا العدد ، فإن دور كرة الأرض معلوم بطريق الهندسة ، وهو ثمانية آلاف فرسخ ، بحيث لو وضعنا طرف حبل على أي موضع كان من الأرض وأدرنا الحبل على كرة الأرض ، حتى ، انتهينا بطرف الآخر إلى ذلك الموضع من