عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي
242
مرآة الجنان وعبرة اليقظان
الأرض ، والتقى طرف الحبل ، فإذا مسحنا ذلك الحبل كان طوله أربعة وعشرين ألف ميل ، وهي ثمانية آلاف . قال : وذلك قطعي لا شك فيه . وقد أراد المأمون أن يقف على حقيقة ذلك ، وكان معروفاً بعلوم الأوائل وتحقيقها ورأى فيها أن دور كرة الأرض عشرون ألف ميل . فسأل بني موسى بن شاكر - وكانوا قد اجتهدوا في معرفة علم الهندسة وغيرها من علم الأوائل - فقالوا : نعم ، هذا قطعي ، فقال : أريد منكم أن تعلموا الطريق الذي ذكره المتقدمون ، حتى يبصر هل ينجز ذلك أم لا . فسألوا عن الأراضي المتساوي البلاد فقيل لهم : صحراء سنجار في غاية الاستواء ، وكذلك وطأة الكوفة ، فأخذوا معهم جماعة ممن يثق المأمون إلى أقوالهم ، ويركن إلى معرفتهم بهذه الصناعة ، وخرجوا إلى صحراء سنجار ، فوقفوا في موضع منها ، وأخذوا ارتفاع القطب الشمالي ببعض الآلات ، وضربوا في ذلك الموضع وتداً ، وربطوا فيه حبلاً طويلاً ، ثم مشوا إلى الجهة الشمالية على الاستواء من غير انحراف . إلى يمين أو شمال ، بحسب الإمكان ، فلما فرغ الحبل نصبوا في الأرض وتداً آخر ، وربطوا فيه حبلاً آخر ، ومشوا إلى جهة الشمال أيضاً كفعلهم الأول ، ولم يزل دأبهم ذلك ، كلما فرغ الحبل ضربوا وتداً ، وربطوا فيه طرف ذلك الحبل الذي فرغ ، وطرف حبل آخر ، ومشوا إلى جهة الشمال حتى انتهوا إلى موضع ، أخذوا فيه ارتفاع القطب المذكور ، فوجدوا قد زاد عن الارتفاع الأول درجة . فمسحوا ذلك القدر الذي قدروه من الأرض بالحبال ، فبلغ ستة وستين ميلاً وثلثي ميل . ومن المعلوم أن عدد درج الفلك ثلاثمائة وستون درجة ، لأن الفلك مقسوم باثني عشر برجاً ، كل برج ثلاثون درجة ، فضربوا عدد درج الفلك الثلاث مائة والستين ، في ستة وستين ميلاً وثلثين التي هي حصة كل درجة ، فكانت الجملة أربعة وعشرين ألف ميل ، وهي ثمانية آلاف فرسخ ، وهذا محقق لا شك فيه ، فلما عاد بنو موسى إلى المأمون ، وأخبروه بما صنعوا وكان موافقاً لما رآه في الكتب القديمة من استخراج الأوائل طلب تحقيق ذلك في موضع آخر أيضاً ، فصيرهم إلى أرض الكوفة ، ففعلوا فيها كما فعلوا في سنجار ، فتوافق الحسابان ، فعلم المأمون صحة ما حرره القدماء في ذلك . انتهى كلام ابن خلكان في ذكر مساحة دور كرة الأرض . قلت : فعلى هذا يكون دور كرة الأرض مسيرة ألف مرحلة ، وذلك مسيرة ثلاث سنين إلا ثمانين يوماً في مسير النهار دون الليل ، أو الليل دون النهار ، لأن المرحلة ثماني فراسخ ، والفرسخ ثلاثة أميال ، كما هو معلوم في حساب مسافة القصر الشرعية . ولكن هذا ينافي ما قد اشتهر أن الأرض مسيرة خمسمائة سنة ، مع أن طول الشيء أقل من دوره ، وتعلم من