عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي

226

مرآة الجنان وعبرة اليقظان

قلت : ومما يدل على جلالة قدره وارتفاعه وكثرة مصنفاته ، فقد روى الحافظ أبو القاسم بسنده أنها عدت تراجمهم ، ففاقت على ثلاثمائة وثمانين مصنفاً ، منها " كتاب الفضول " في الرد على المحدثين والخارجين عن الملة ، كالفلاسفة والتابعين والدهريين وأهل التشبيه والقائلين بقدم الدهر ، على اختلاف مقالاتهم وأنواع مذاهبهم ، ورد فيه على البراهمة واليهود والنصارى والمجوس . وهو كتاب مشتمل على اثني عشر كتاباً . وكذلك " كتاب الموجز " يشتمل على اثني عشر كتاباً ، على حسب تنوع مقالات المخالفين من الخارجين عن الملة ، كالفلاسفة والداخلين ، ورد على سائر أنواع المبتدعين في كتبه ، تعميماً وتخصيصاً . ومما يدل على ذلك أيضاً خطبة كتابه الذي صنفه في تفسير القرآن والرد على من خالف البيان من أهل الإفك والبهتان . قال : أما بعد ، فإن أهل الزيغ والبدع والتضليل تأولوا القرآن على رأيهم ، وفسروه على أهوالهم تفسيراً ، لم يزل الله تعالى به سلطاناً ، ولا أوضح به برهاناً ، ولا رووه عن رسول رب العالمين ، ولا عن أهل بيته الطيبين ، ولا عن السلف المتقدمين من الصحابة والتابعين ، افتراء على الله ، قد ضلوا وما كانوا مهتدين ، ثم قال في أثناء كلامه : وشيوخهم الذين قلدوهم ، فأضلوهم وما هدوهم . قال : ورأيت الجبائي قد ألف كتاباً في تفسير القرآن ، أوله على خلاف ما أنزله الله عز وجل لغة أهل قرية المعروفة بجبا ، وليس من أهل اللسان الذي نزل به القرآن ، وما روى في كتابه حرفاً واحداً عن المفسرين . وإنما اعتمد على ما وسوس به صدره وشيطانه ، ولولا أنه استغوى بكتابه كثيراً من العوام ، واستنزل به عن الحق كثيراً من العظام ، لم يكن للتشاغل به وجه . ثم ذكر المواضع التي أخطأ فيها الجبائي في تفسيره ، وبين ما أخطأ فيه من تأويله من القرآن بعون الله تعالى وتيسيره ، وكل ذلك مما يدل على جلة وكثرة علمه ، وظهور فضله ، جزاه الله تعالى عن جهاده في دينه بلسانه الحسنى ، وأحله بإحسانه في مستقر جنانه . المحل الأسنى . واسم كتابه الذي ألفه في تفسير القرآن " المتحفون " . قال الإمام الماهر في الفقه : محمد بن موسى بن عمار ، فيما روى عنه الثقات الأخيار والعلماء الأحبار . ذكر لي بعض أصحابنا أنه رأى من تفسيره المذكور طرفاً وكان بلغ فيه سورة الكهف وقد أنهى مائة كتاب ، ولم يترك آية يتعلق بها يدعي ، إلا بطل تعلقه بها ، وجعلها حجة لأهل السنة ، وبين المجمل ، وشرح المشكل ، أو قال : المستشكل . قال : ومن وقف على تآليفه رأى أن الله تعالى قد أمده بإمداد توفيقه ، وأقامه لنصرة الحق والذب عن طريقه .