عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي

227

مرآة الجنان وعبرة اليقظان

وكل من تعلق اليوم بمذهب السنة ، وتفقه في معرفة أصول عن سائر المذاهب ، نسب إلى أبي الحسن الأشعري ، لكثرة تآليفه ، وكثرة قراءة الناس لها ، ولم يكن أول متكلم بلسان أهل السنة ، إنما يجري على سنن غيره ، وعلى نصرة مذهب معروف ، فزاد المذهب حجة وبياناً ، ولم يبتدع مقالة اخترعها ، ولا مذهباً انفرد به . ألا ترى أن مذهب أهل المدينة نسب إلى مالك بن أنس رضي الله تعالى عنه ؟ ومن كان على مذهب أهل المدينة يقال له مالكي ، ومالك إنما جرى على سنن من كان قبله ، وكان كثير الاتباع ، إلا أنه زاد المذهب بياناً وبسطاً وحجة وشرحاً وألف كتابه الموطأ . وأما ما أخذ عنه من الأسمعة والفتاوى ، فنسب إليه لكثرة بسطه وكلامه فيه ، وكذلك الإمام أبو الحسن الأشعري ، لا فرق ، فليس له في المذهب كثر من بسطه وشرحه وتأليفه في نصرته ، فنجب في تلاميذه خلق كثير من المشرق . وكانت شوكة المعتزلة بالعراق شديدة ، وأعظم ما كانت المحنة زمن المأمون والمعتصم ، فتورع عن مجادلتهم أحمد بن حنبل ، فموهوا بذلك على الملوك وقالوا : إنهم يعنون أهل السنة ، يفرون من المناظرة لما يعلمون من ضعفهم على نصرة الباطل ، وأنه لا حجة بأيديهم ، وشنعوا بذلك عليهم ، حتى امتحن في زمانهم أحمد بن حنبل وغيره ، حتى أخذ الناس حينئذ بالقول بخلق القرآن ، حتى ما كان تقبل شهادة شاهد ، ولا يستقضي قاض ، ولا يفتي مفت إلا يقول بخلق القرآن . قال : وكان في ذلك الوقت جماعة من المتكلمين ، كعبد العزيز المكي ، والحارث المحاسبي ، وعبد الله بن كلاب ، وجماعة غيرهم ، وكانوا أولي زهد ، لم ير واحد منهم أن يطأ لأهل البدع بساطاً ، ولا أن يداخلهم . وكانوا يردون عليهم ، ويؤلفون الكتب في إدحاض حججهم ، إلى أن أنشأ بعدهم ، وعاصر بعضهم ابن أبي بشر الأشعري ، يعني الشيخ أبا الحسن المذكور ، فصنف في هذا العلم لأهل السنة التصانيف ، وألف لهم التآليف ، حتى أدحض الله تعالى حجج المعتزلة ، وكسر شوكتهم . وكان يقصدهم بنفسه . ويناظرهم ، فكلم في ذلك وقيل له : كيف تخالط أهل البدع ، وتقصدهم بنفسك ، وقد أمرت بهجرهم ؟ . فقال : هم أهل رئاسة ، منهم الوالي والقاضي . ولرئاستهم لا ينزلون إلي ، فإذا كانوا لا ينزلون إلى ، ولا أسير أنا إليهم ، فكيف يظهر الحق ، ويعلمون أن للسنة ناصراً بالحجة ؟ . قال : وكان أكثر مناظراته مع الجبائي المعتزلي ، وله معه في الظهور عليه مجالس كثيرة ، فلما كثرت تآليفه ، ونصر مذهب أهل السنة وبسطه ، تعلق بها أهل السنة من المالكية والشافعية وبعض الحنفية . فأهل السنة بالمشرق والمغرب بلسانه يتكلمون ، وبحجته يحتجون .