تقرير بحث السيد محمد باقر الصدر لسيد كاظم الحائري

64

مباحث الأصول

بعض أطرافه - إن لم يكن له معارض - انسحاب ذلك إلى العلم التفصيليّ ، فإذا شكّ في صحّة صلاته ولم تجر قاعدة الفراغ ، كان له التمسّك بأصالة البراءة ، للشكّ في وجوب الصلاة فعلا عليه . هذا ما أفاده المحقّق العراقيّ على ما في تقرير بحثه . وقد يقال : إنّ استصحاب بقاء الوجوب ، أو استصحاب عدم الإتيان بالواجب ، حاكم على البراءة في المقام . والصحيح - كما يأتي إن شاء اللَّه - : عدم جريان استصحاب بقاء الوجوب ، لكن يكفي الاستصحاب الموضوعيّ في المقام . إلَّا أنّ التمسّك بحكومة الاستصحاب في المقام لا يكفي لدفع النقض ، فإنّهم لا يجرون البراءة في المقام ، حتّى بقطع النّظر عن الاستصحاب ، ولا تجري البراءة حتّى عند من ينكر الاستصحاب . وعلى أيّ حال ، فالصحيح في المقام عدم ورود هذا النقض ، وذلك لأنّ عدم جريان البراءة عند الشكّ في الامتثال في مورد العلم التفصيليّ ليس لأجل محذور ثبوتيّ ، بل لأجل القصور الإثباتيّ في دليل البراءة ، لأنّ موضوع دليل البراءة هو الشكّ في الحكم ، وهنا لا يشكّ في الحكم . وتوضيح المقصود : أنّه إن أريد إجراء البراءة عن وجوب ثابت على الجامع بين الفرد الأوّل المأتيّ به على تقدير صحّته ، والفرد الثاني غير المأتيّ به ، فهذا الوجوب مقطوع به . وإن أريد إجراء البراءة عن وجوب ثابت على ما لا يشمل الفرد الأوّل على تقدير صحّته ، فهذا الوجوب غير محتمل . وإن أريد إجراء البراءة عن الوجوب الأوّل - وهو وجوب الجامع بين الفرد الأوّل المأتيّ به على تقدير صحّته ، والفرد الثاني - من باب أنّ هذا الوجوب وإن لم يكن مشكوكا حدوثا لكنّه مشكوك بقاء ، ورد عليه : أنّ روح الحكم وجوهره - وهو الحبّ والبغض - لا يسقط بالامتثال ، فالمولى حتّى بعد الامتثال حينما ينظر إلى ما فعله يحبّه ويرتضيه ، وإنّما الَّذي يسقط في المقام هو فاعليّة الحكم ، وهذا ثابت في الأحكام التشريعيّة ، وفي المقاصد التكوينيّة ، فمن يريد عملا بالإرادة التكوينيّة ، بأن يفعله هو ، أو بالإرادة التشريعيّة ، بأن يفعله عبده ، لا تفترق حالته النفسيّة تجاه ذلك الشيء من محبوبيّته له بدرجة الإلزام قبل العمل وبعده ، وإنّما الَّذي يسقط وينتهي هو الفاعليّة التكوينيّة في فرض إتيانه بنفسه ، أي أنّه بعد العمل لا يبقى لذلك الحبّ تحريك تكوينيّ ،