تقرير بحث السيد محمد باقر الصدر لسيد كاظم الحائري
34
مباحث الأصول
الموافقة القطعيّة ، لكنّه لمّا كان العلم الإجماليّ مقتضيا بنحو العلَّيّة - حسب ما ذهب إليه قدّس سرّه - لحرمة المخالفة القطعيّة أوجب ذلك تعارض الأصول المؤمّنة ، وتساقطها في الأطراف ، فيبقى الاحتمال في كلّ واحد من الطرفين بلا مؤمّن عن استحقاق العقاب ، والاحتمال بلا مؤمّن منجّز لا محالة ، قال قدّس سرّه : وإن شئت فسمّ ذلك باقتضاء العلم الإجماليّ لوجوب الموافقة القطعيّة ، إذ اقتضى ذلك بالواسطة ، حيث إنّه اقتضى حرمة المخالفة القطعيّة المقتضية لتعارض الأصول وتساقطها المقتضي لبقاء الاحتمال بلا مؤمّن ، وبالتالي تنجيزه . أقول : أمّا ما أفاده رحمه اللَّه في وجه عدم اقتضاء العلم الإجماليّ لوجوب الموافقة القطعيّة ، فيرد عليه ما عرفت من أنّه لا يوجب عدم الاقتضاء مطلقا ، بل يجب استثناء ما إذا كان متعلَّق الحكم مقيّدا بقيد لا يعلم حصوله إلَّا بالإتيان بكلا الفردين ، فهنا تجب الموافقة القطعيّة ، وإلَّا لم تجب - أيضا - الموافقة القطعيّة فيما لو علم تفصيلا بوجوب الصلاة المقيّدة بقيد مّا ، وشكّ في الإتيان بها بقيدها المطلوب . وأمّا ما أفاده من لزوم الموافقة القطعيّة من باب تعارض الأصول وتساقطها وبقاء الاحتمال بلا مؤمّن ، فيرد عليه : أنّ الأصول الشرعيّة وإن كانت تتساقط - إن سلَّم لحرمة المخالفة القطعيّة ، لكنّنا نتكلَّم في المرتبة السابقة ، وهي مقدار حقّ المولى بحكم العقل في نفسه قبل وصولنا إلى المرتبة اللاحقة ، وهي تصرّف المولى في مقدار الامتثال اللازم بتزييد أو تنقيص ، فنقول : إنّ المقدار الَّذي يستحقّه المولى إنّما هو الامتثال بمقدار الجامع ، وأمّا كلّ واحدة من الخصوصيّتين فتجري عنها البراءة العقليّة ، وقاعدة ( قبح العقاب بلا بيان ) لأنّها غير مبيّنة ، ولا معنى لوقوع المعارضة بين إجراء القاعدتين في الخصوصيّتين ، إذ لا منافاة أصلا بين تنجّز الحدّ الجامع وعدم تنجّز الحدّين الخاصّين . وقد تنبّه إلى ذلك المحقّق العراقيّ ( 1 ) قدّس سرّه فنقض على القائل بعدم اقتضاء العلم الإجماليّ لوجوب الموافقة القطعيّة بأنّه لا بدّ له من القول بجواز مخالفة أحد الطرفين ، مع أنّه لا يقول بذلك . وهذا النقض في محلَّه ، حيث إنّ المحقّق النائينيّ رحمه اللَّه لا يلتزم بجواز مخالفة أحد الطرفين ، مع أنّ هذا ممّا لا بدّ أن يلتزم به حسب مبانيه كما عرفت .
--> ( 1 ) هذا التنبّه موجود في المقالات : ج 2 ، ص 87 ، القسم الأوّل من الصفحة . .