علي أكبر السيفي المازندراني
297
مباني الفقه الفعال في القواعد الفقهية الأساسية
وفي المحكيّ عن أبي الفرج الإصبهاني ، وأيضاً في المحكيّ عن سيرة ابن هشام - في حكاية إسلام مغيرة بن شعبة - : « أنّه وفد مع جماعة من بني مالك على مقوقس ملك مصر ، فلمّا رجعوا قتلهم المغيرة في الطريق وفرّ إلى المدينة مسلماً ، وعرض خمس أموالهم على النبيّ ( صلى الله عليه وآله ) فلم يقبله ، وقال ( صلى الله عليه وآله ) : لا خير في غدر . فخاف المغيرة على نفسه ، وصار يحتمل ما قرب وما بعد . فقال ( صلى الله عليه وآله ) : الإسلام يجبّ ما قبله » . ( 1 ) وفي السيرة الحلبية : « إنّ عثمان لمّا شفّع في أخيه ابن أبي سرح قال ( صلى الله عليه وآله ) : « أما بايعتُه وآمنته ؟ قال : بلى ، ولكن يذكر ما جرى منه معك من القبيح ويستحيي ، قال ( صلى الله عليه وآله ) : الإسلام يجبّ ما قبله » . ( 2 ) وأيضاً ذكر قضية خوف هبار بن أسود ممّا فعله في الجاهلية وإزالة النبيّ ( صلى الله عليه وآله ) خوفه بعد إسلامه بقوله ( صلى الله عليه وآله ) : « الإسلام يجبّ ما قبله » . ( 3 ) فيفهم من هذه الروايات ونظائرها أنّ الغرض الأصلي من تشريع هذه القاعدة إعطاءُ الأمن لمريد التشرّف بالإسلام وإزالة الخوف عنه لأجل ما صدر منه - من الخطايا والقبائح - قبل تشرّفه بالإسلام . فهذه القاعدة من جانب تنادي أنّ الإسلام دين العفو والرحمة والسهولة ، ومن جانب آخر تُرغّب غير المسلمين إلى قبوله الإسلام وتوجد فيهم الرغبة والميل إلى الحقّ والفلاح . ولولا هذه القاعدة لتنفّر الطباع عن قبول الإسلام ; لوضوح أنه لو كان كلّ إنسان إذا أسلم أخد منه زكاة أمواله وخمس أرباحه الحاصلة في طول عمره وألزم بقضاء جميع صلواته وصيامه الفائتة وأخذ بالحدود والديات والقصاص ، لاستولي عليه خوف ووحشة شديدة مانعة عن الرغبة إلى الإسلام وموجبة لفراره عن هذا الدين .
--> ( 1 ) الأغاني : ج 16 ، ص 82 / السيرة النبويّة : ج 3 ، ص 328 . ( 2 ) السيرة الحلبية : ج 3 ، ص 105 . ( 3 ) السيرة الحلبية : ج 3 ، ص 106 .