السرخسي
182
المبسوط
كل واحد منهما سبب لاتلاف نصف النفس فان رجع الولي معهما أو جاء المشهود بقتله حيا فلولي المقتول الخيار بين أن يضمن الشاهدين الدية وبين أن يضمن القاتل لان القاتل متلف للنفس حقيقة والشهود متلفون له حكما والاتلاف الحكمي في حكم الضمان كالاتلاف الحقيقي فكان له أن يضمن أيهما شاء فان ضمن الولي الدية لم يرجع على الشاهدين بشئ لأنه يضمن بفعل باشره لنفسه باختياره وان ضمن الشاهدين لم يرجعا على الولي أيضا في قول أبي حنيفة وقال أبو يوسف ومحمد ثبت لهما حق الرجوع على الولي بما ضمنا لأنهما ضمنا بشهادتهما وقد كانا عاملين فيه للولي فيرجعان عليه بما يلحقهما من الضمان كما لو شهدا بالقتل الخطأ أو بالمال فقضى القاضي واستوفى المشهود له ثم رجعوا جميعا وضمن المشهود عليه الشاهدين كان لهما أن يرجعا على المشهود له ولا يقال هناك قد ملك المقبوض بالضمان وهاهنا لم يملكاه لان القصاص لا يملك بالضمان والمشهود به هو القصاص وهذا لأنهما وإن لم يملكا بعد فقد قام مقام من ضمنهما في الرجوع على القاتل بمنزلة من غصب مدبرا فغصبه آخر منه ثم ضمن المالك الغاصب الأول فإنه يرجع بالضمان على الثاني وإن لم يملك المدبر بالضمان ولكنه قام مقام من ضمنه وهذا لان القصاص مما يملك في الجملة وله بدل متقوم محتمل التمليك فيكون السبب معتبرا على أن يعمل في بدله عندنا لتعذر اعماله في الأصل كاليمين على أن تعمل في بلده حتى يرجع بالضمان من أن يكون معتقدا في ايجاب الكفارة التي هي خلف عن البر لما كان الأصل وهو البر متوهم الوجود في الجملة وعلى هذا غاصب المدبر فان المدبر متقوم مملوك في الجملة فينعقد السبب للغاصب الأول فيه على أن يعمل في بدله حتى يرجع بالضمان على الغاصب الثاني وكذا شهود الكتابة إذا رجعوا وضمنهم الولي القيمة كان له أن يرجعوا على المكاتب ببدل الكتابة ولم يملكوا رقبة المكاتب ولكن لما كان المكاتب مملوكا رقبة للمكاتب انعقد السبب في حقهم علي أن يكون عاملا في بدل وهو بدل الكتابة بذلك وإن لم يملكوا رقبة المكاتب فهذا مثله وأبو حنيفة يقول الشهود ضمنوا لاتلافهم المشهود عليه حكما والمتلف لا يرجع بما يضمن بسببه على غيره كالولي وهذا لأنهم لم يكونوا متلفين ما كانوا ضامنين مع مباشرة الاتلاف لان مجرد السبب يسقط اعتباره في مقابلة المباشرة ( ألا ترى ) أنه لو وقع انسان في بئر حفرها غيره في الطريق كان الضمان على الحافر ولو دفعه غيره حتى وقع فيه كان الضمان علي الدافع دون الحافر وهاهنا لما ضمن الشهود عرفنا انهم جناة متلفون للنفس حكما وإن كان تمام ذلك الاتلاف عند استيفاء