السرخسي
127
المبسوط
وأيد هذا القياس قوله تعالى وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس وذلك ينفى مقابلة النفوس بنفس واحدة ولكنا تركنا هذا القياس لما روى أن سبعة من أهل صنعاء قتلوا رجلا فقضى عمر رضي الله عنه بالقصاص عليهم وقال لو تمالا عليه أهل صنعاء لقتلتهم به ولان شرع القصاص لحكمة الحياة وذلك بطريق الزجر كما قررنا ومعلوم أن القتل بغير حق في العادة لا يكون الا بالتغالب والاجتماع لان الواحد يقاوم الواحد فلو لم نوجب القصاص على الجماعة بقتل الواحد لأدى إلى سد باب القصاص وابطال الحكمة التي وقعت الإشارة إليها بالنص يوضحه أنه لا مقصود في القتل سوى التشفي والانتقام وذلك حاصل لكل قاتل بكماله كأنه ليس معه غيره وعلى هذا قال علماؤنا رحمهم الله الواحد إذا قتل جماعة فإنه يقتل بهم جميعا علي سبيل الكفاءة وقال الشافعي رضي الله عنه ان قتلهم على التعاقب يقتل بأولهم ويقضي بالديات لمن بعد الأول في تركته وان قتلهم معا يقرع بينهم ويقضي بالقود لمن خرجت قرعته وبالدية للباقين واستدل بقوله تعالي وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس فقد جعل الله تعالى النفس بمقابلة النفس قصاصا فلا يجوز أن يجعل النفس بمقابلة النفوس قصاصا بالرأي ولأنا قد بينا أنه لا مساواة بينهما إلا أنا أوجبنا القصاص على العشرة بقتل الواحد لرد علية القتل بغير حق وهذا لا يوجد في القتل قصاصا لان ذلك يكون بقوة السلطان فلا تقع الحاجة فيه إلى التعاون والتغالب ولان في ايجاب القصاص هناك تحقق معنى الزجر وذلك لا يوجد هنا فإنه بعد ما قتل الواحد إذا علم أنه وان قتل جميع أعدائه لا يلزمه القصاص أخذ يتجاسر على قتل الأعداء وإذا علم أنه يستوفى الديات من تركته يتحرز من ذلك لا بقاء العناء لورثته فكان معنيا الزجر فيما قلنا وحقيقة المعنى في الفرق أن العشرة إذا قتلوا واحدا فكل واحد منهم قتل عشره فوجب عليه القصاص بقدر ما أتلف إلا أنه لا يمكن استيفاء ذلك منه الا باسقاط ما بقي من حرمة نفسه فيسقط ذلك لضرورة الحاجة إلي استيفاء القصاص كما إذا غصب ساحة وبنى عليها سقط حرمة بنائه لوجوب رد الساحة وكذلك عندي في الساحة فأما هاهنا فكل واحد من المقتولين قد استحق علي القاتل نفسا كاملة وليس في نفسه وفاء بالنفوس فلا يمكن أن يقتل بهم جميعا ولكن يترجح أولهم بالسبق فان حقه ثبت في محل فارغ وإذا قتلهم معا رجح بالقرعة كما هو مذهبي في نظائره والدليل علي أن كل واحد من القاتلين يستوفى الجزاءات في الخطأ يجب على كل واحد منهم جزء من الدية وانه لو كان بعض الفاعلين مخطئا لم يجب القصاص على واحد منهم بخلاف