السيد محمد الصدر

318

ما وراء الفقه

الكذب موضوعا : تساءلنا في أول هذا البحث : ما هو الكذب وأجبنا عليه . والآن لنا أن نتساءل : ما هو الكذب المحرم أو ما الذي يكون موضوعا لحرمة الكذب هل هو كل الأقسام السابقة التي عرفناها له أو بعضها دون بعض . لا شك أنه بكل أقسامه مرجوح ورديء أخلاقيا ، إلَّا أن حرمته الشرعية ، تتوقف على أن يكون الإطلاق اللغوي عليه حقيقة لا مجازا ، وأن يكون الفهم له عرفيا لا دقيقا معمقا ، مضافا إلى كونه مما لم يستثن من أدلة التحريم . ومعه فما اندرج من أقسامه تحت الحرمة ، فهو المطلوب وإلَّا كان حكمه الشرعي مندرجا تحت الكراهة لا محالة . وقد عرفنا فيما سبق أن بعض استعمالات الكذب يمكن أن تكون مجازية ومثلنا بقوله تعالى * ( لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ ) * « 1 » حيث نسبت عدم الكذب إليها من دون وجود دلالة ، والكذب متوقف على وجود الدلالة كما عرفنا ، بأي مستوي من مستوياتها ، فاستعماله بدون الدلالة مجاز . والمجاز صحيح في اللغة ، إلَّا أنه لا يندرج تحت الحكم الشرعي بالحرمة ، بل لا بدّ من توخي الفرد الحقيقي للكذب موضوعا لها . ولا يبعد أن تكون كل الأقسام الأخرى التي عرفناها للكذب حقيقية لغة . ولكن ليس هذا فقط ، بل لا بد أن يكون الفهم العرفي موافقا على مصداقيته وانطباقه . كما أشرنا ، فلو كان شيء ما كذبا حقيقة وليس كذبا عرفا لم يندرج في الحرمة ، بصفته كذبا . وإن كان قد يكون مندرجا في الحرمة بأسباب أخرى ، أعني صفته فسقا أو كفرا أو غير ذلك ، وسيأتي إيضاحه . وأوضح ما يخرج أو يتم استثناؤه بذلك أمور :

--> « 1 » الواقعة : 56 / 2 .