السيد محمد الصدر
319
ما وراء الفقه
الأمر الأول : المفارقة بين الفعل وأمر آخر كالاعتقاد أو الهدف . فإننا قلنا وأوضحنا إنه من أقسام الكذب . إلَّا أنه ليس منها عرفا فلا يكون موضوعا للحرمة من هذه الجهة . وأعني بالفعل السلوك الحياتي الاعتيادي ، لا الفعل الذي يكون له دلالة لغوية كالإشارة . فإنه مما يصدق عليه الكذب حقيقة وعرفا فيكون محرما جزما . الأمر الثاني : خلف الوعد ، كما لو قلت : سأفعل كذا ولم تفعل فإنه لا يكون كذبا عرفا . وأوضح تقريب لذلك هو أن مثل هذا القول يمكنك بالاختيار أن تصدقه وأن تكذبه أي أن تجعله صادقا بتنفيذك إياه ، أو تجعله كاذبا بتركك له . ومثل هذا الملاك لا يعتبر عرفا ملاكا كافيا للكذب . وهذا غير الأخبار عن المستقبل ، كما لو قلت : سيحدث كذا ، ولم يحدث . فإن هذا هو التنبؤ ، وهو قابل للإنصاف بالكذب . وقد أفتى الفقهاء جميعا بعدم حرمة خلف الوعد وإن قالوا بكراهته الشديدة . ما لم تحدث مصالح أخرى تقتضي حرمته . كأدائه إلى كبيرة من الكبائر أو بعض المفاسد الاجتماعية . الأمر الثالث : المفارقة بين القول والاعتقاد مع كونه موافقا مع الواقع كقول المنافقين * ( إِنَّكَ لَرَسُولُ ا للهِ ) * « 1 » فإنه ليس كذبا ، من حيث المطابقة مع الواقع ، فلا يكون حراما ولا موجبا لاستحقاق العقاب . وإنما يعاقبون من أجل نفاقهم وعدم اعتقادهم بصدق رسول الإسلام صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم . نعم ، يمكن أن يكون المعتقد عالما بنفسه كاذبا . كما لو كان يعتقد بحدوث شيء وينفيه ، في حين أنه لم يحدث فيكون قوله صادقا كقول المنافقين في الآية الكريمة . لمطابقته للواقع ، ولكنه عالم بكذبه . فيكون عمله
--> « 1 » المنافقون : 63 / 1 .