السيد محمد الصدر

306

ما وراء الفقه

وليس قولنا : تارة بين القول والفعل وتارة بين الفعل والقول ، بمنزلة التكرار ، بل هو يختلف باختلاف الألفاظ باعتبار ما نريد وصفه بالكذب تارة من قول وفعل إذ قد يكونان معا كاذبين مع تطابقهما . وكذلك : الواقع النفسي مع واقع نفسي آخر ، كالجبن مع الشجاعة أو مع القول أو مع الفعل أو مع الخارج ، كما سبقت أمثلة . وقد يناقش في تسمية عدم المطابقة بين الواقعين الباطني والظاهري كذبا ، لانعدام الدلالة عندئذ ، والكذب إنما هو من أوصاف الدلالة . قلنا : أولا : أن الكذب ليس مع الدلالة فقط بل صادق بلا دلالة كقوله تعالى : * ( لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ ) * « 1 » . وثانيا : إن الدلالة في الواقع النفسي قد تكون متحققة . العلم والخوف يدل على المخوف منه والغضب على الكراهة وهكذا . فإن لم تكن هذه الأمور مطابقة للواقع كانت كذبا ، ويسمى العلم غير المطابق للواقع بالجاهل المركب . ويمكن توسيع معنى العلم هنا إلى مطلق القناعة والوثوق والظن الراجح مع عدم المطابقة للواقع الخارجي أو الواقع النفسي . وقد يستشكل على تعريفنا للكذب بأنه عدم التطابق بين أمرين أحدهما ذاتي . في حين أن قوله تعالى * ( لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ ) * ليس فيه أمر ذاتي بل هو حاصل سواء كان هناك مدرك أم لا ، وسواء كان هناك ناطق أم لا وسواء كانت هناك دلالة أم لا . ولكن يمكن أن يجاب ذلك بعدة أمور : أولا : إن الآية الكريمة قد تكون بمعنى أن يوم القيامة حق وكل من يعبر عنه أو يدل عليه دلالة فهو صادق وغير كاذب . فانتفى الإشكال . ثانيا : إنه ربما يكون معناها ، أن محاسبة الأعمال يوم القيامة لا يكون بالكذب والافتراء . أي أن ينسب إلى الفرد ما لم يعمله أو يقله بل ما قاله

--> « 1 » الواقعة : 56 / 2 .