السيد محمد الصدر
158
ما وراء الفقه
يرجع إلى الآخر . مع أن حرف إلى يستعمل في العبد ولا يستعمل في الرب . فلا يقال : تاب إلى عبده بل : تاب على عبده . فلما ذا حصل هذا الاختلاف . وجواب ذلك : إن استعمال حرف على يكون بأحد سببين : أولا : الالتفات إلى الاستعلاء الإلهي على العبد باعتبار الامتنان عليه والرحمة به وغفران ذنبه . ثانيا : إن على مستعملة بمعنى عن . يعني تاب اللَّه عن عبده يعني عن ذنب عبده ، وهو استعمال صحيح لكلا الحرفين . وقد تستعمل الحروف بعضها بمعنى بعض في موارد كثيرة . هذا مضافا إلى أننا يمكن أن ننكر عدم صحة استعمال إلى . ونقول لا بأس بأن يقال : تاب اللَّه إلى عبده . إذا تضمن معنى الرجوع في عالم المعنى ، كما سبق أن قرّبنا . فهو استعمال صحيح وإن لم يكن غالبا أو متعارفا . ومن هنا ونحوه نفهم أن الارتداع عن الذنب توبة . وليس كل ارتداع توبة حتى وإن كان عن المباحات أو عن الواجبات . بل التوبة هي الرجوع بعد البعد ، كما عرفنا إذن فيجب أن يكون العمل قد أنتج بعدا ليكون الرجوع صادقا وحقا . وهذا العمل ليس إلَّا الذنب يعني عمل أي مرجوع من حرام أو قبيح أو مكروه أو مستهجن ونحوها . وأما عمل المباحات فضلا عن الواجبات ، فلا يوجب بعدا عن الرب ، ليصدق الرجوع وهو التوبة ، بالارتداع عنه ، بل يكون الارتداع عنه ذنبا موجبا للبعد بدوره . وتكون التوبة بالرجوع إلى ذلك العمل . كيف تحصل التوبة ؟ تحصل التوبة من العبد ، بعدة مراحل متسلسلة يتبع بعضها بعضا ، وهي قد تحصل بتسارع ، وقد يكون بينها فاضل زماني قليل أو كثير .