السيد محمد الصدر

157

ما وراء الفقه

أو قل : إن للَّه توبتان وللعبد توبة واحدة . فاللَّه يتوب على عبده قبل توبة العبد وبعد توبته . وليس للعبد إلَّا توبة واحدة . ويكون السبب الحقيقي لها هو اللَّه سبحانه بإلفات عبده إليها وتوفيقه نحوها . وإلَّا لكان سادرا في غيّه مستحقا للعقاب على ذنبه . نعم ، إذا التفت العبد إلى قبول التوبة من قبل اللَّه سبحانه فإنه سوف يزداد خشوعا ورجوعا إلى اللَّه ورضا عنه ليكون ممن * ( ( رَضِيَ ا للهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْه ُ ) ) * . وعندئذ يصدق عليه أن له رجوعان إلى اللَّه سبحانه أحدهما يؤكد الآخر . كما كان للَّه سبحانه رجوعان إلى عبده أحدهما يؤكد الآخر . بقي الإلماع إلى ما سبق أن قلناه من اختلاف حرف الجر في التوبتين : فالعبد يتوب إلى ربه والرب يتوب على عبده . فكيف كان هذا الاختلاف مع أن معناهما مشترك في اللغة . وجواب ذلك : إننا ينبغي أن نلتفت إلى السبب الأساسي الذي كان سببا للبعد السابق على هذا القرب الحاصل بالتوبة . وذاك السبب هو الذنب . يقال : تاب العبد عن ذنبه . ويقال : تاب الرب عن عبده ، يعني عن ذنب عبده . فأصبح حرف الجر واحدا أوليس متغايرا . وقد يخطر في البال : أن التوبة إذا كانت بمعنى الرجوع فيكون الأنسب استعمال حرف إلى لا حرف عن . قلنا : هذا باعتبار تضمن التوبة للإعراض عن الذنب وعدم الالتفات إليه واعتباره كأنه لم يحدث . يقال : أعرض عنه ورجع عنه . ثم إنه باعتبار أن التوبة متضمنة للرجوع ، أخذت حرف ( إلى ) أيضا . وهو المستعمل في القرآن الكريم مكررا * ( أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى ا للهِ ) * . * ( فَإِنَّه ُ يَتُوبُ إِلَى ا للهِ مَتاباً ) * . فإن قيل : فإن هذا الرجوع مشترك الصدق بين العبد وربه . فكل منهما