السيد محمد الصدر
156
ما وراء الفقه
فإن قلت : فإن رجوع الرب إلى عبده ليس مكانيا فيكون مجازا . كما فهمنا من كلام الراغب في المفردات . قلنا : أولا : إن رجوع العبد إلى ربه أيضا ليس مكانيا ، مع أننا فهمنا منه كونه رجوعا حقيقيا . ثانيا : إن معنى الرجوع لا يختص بالمكان لغة ، بل يشمل غيره حتما . كالرجوع في الزمان . يقال : ذهب أمس إلى غير رجعة . والرجوع في الحال كالثروة . كمن كان ثريا ثم افتقر ثم عادت إليه الثروة . إذن فمن كان راضيا ثم غضب ثم عاد إليه الرضا كذلك . يعني يصدق عليه الرجوع والعود . ولا نريد به إلَّا ذلك لأن ذلك البعد ناتج عن الذنب الموجب للغضب والقرب ناتج من الرضا الناتج من التوبة والاستغفار . كل ما في الأمر أن هذا الرجوع الذي نتحدث عنه ، له سبب ومسبب . ونحن قبل قليل تحدثنا عن المسبب وهو القرب الناتج بين العبد وربه . وأما سببه تقرب العبد من ربه ناتج من طهارة القلب الناتج من الاستغفار . فكان الاستغفار سببا للقرب . فسمي توبة أيضا . فتطلق التوبة على كل من السبب والمسبب من جانب العبد . بل هي على السبب أغلب . وأما قرب الرب من عبده ، معنويا ، فهو ناتج من الرضا الناتج من الرحمة . أو قل : الرضا الناتج من الاستغفار . فإنه لولا الاستغفار نفسه لم يحصل الرضا . فكان الاستغفار سببا لكلا التوبتين . وأما الرحمة فهي الرضا بعينه . وإلى هنا نكون قد مشينا في الفهم مشيا مشهوريا وهو أن السبب الأصلي في التوبة هو العبد ، باعتبار استغفاره . ولكن بعض العارفين يقولون : إن اللَّه تعالى يتوب أولا ثم يتوب العبد ، وليس العكس كما عليه المشهور . فإذا تاب اللَّه تعالى على عبده برحمته جعله يلتفت إلى التوبة ، فيتوب بدوره ، فإذا تاب من جهته أصبحت توبة اللَّه عليه فعلية بعد أن كانت اقتضائية .