السيد محمد الصدر
87
ما وراء الفقه
وما صدر من غير البشر ، قد يكون صادرا بسبب استخدام الآلات الوترية والهوائية وغيرها . وهي الموسيقى . وقد يكون صادرا من الحيوان كزقزقة الطيور . فإنها قد تكون مريحة للنفس أكثر من كثير من الأغاني البشرية ، إلا أن القول بحرمتها غير محتمل ، وتسميتها بالغناء لا يخلو من مجازية . فالمهم في الغناء هو الصوت البشري والموسيقي . وقد يخطر في الذهن : أن الموسيقى ليست غناء . لأننا سمعنا من التعاريف ما هو واضح باختصاصه بالصوت البشري كالذي سمعناه من لسان العرب : أن كل من رفع صوته ووالاه فصوته عند العرب غناء . إلا أننا عرفنا أن هذا التعريف بمجرده غير تام ، وإذا تعدينا عنه ، فأين نحطَّ ؟ إنما نحط في الفهم العرفي كما قلنا . والفهم العرفي يقتضي بوضوح : أن يكون الصوت البشري وحده على طريقة معينة يسمى غناء . وإذا اقترن بالموسيقي كان أولى بالتسمية كما هو معلوم . كما أن الموسيقى وحدها أيضا غناء عرفا ، وهي على أي حال لا تندرج تحت أي من حقول المعرفة البشرية غير الغناء . وهي توجب نفس ما يوجبه الغناء من الرحة النفسية والطرب ونحوها ، بل أكثر أحيانا . فنفي مفهوم الغناء عنها مجازفة سمجة ودفاع عن الباطل . ونستطيع أن نفهم ذلك من باب آخر : وهو أن أغلب الموسيقى مقترنة بصوت غنائي بشري . ولا شك أنها مع الاقتران به غناء وجزء واقعي منه . ولا يمكن نفي ذلك عرفا . والعرف يرى المجانسة النوعية بين أفراد الموسيقى سواء اقترنت بصوت بشري أم لا . يعني أن الموسيقي هي الموسيقى في كلا الحالين . إذن فما دامت غناء عند الاقتران بالصوت البشري فهي غناء دائما ، يعني حتى وإن جاءت مجردة عنه . كما نستطيع أن نفهم ذلك بتقريب آخر : وهو أن الغناء المنهي عنه في الروايات المعتبرة عن المعصومين عليهم السلام هو ما كان يقام في عصرهم في بيوت الأغنياء والأمراء من الحفلات الساهرة والداعرة ، ومن المعلوم قطعا