السيد محمد الصدر
80
ما وراء الفقه
قال الأزهري : وكانت الكهانة في العرب قبل مبعث سيدنا رسول اللَّه ( ص ) . فلما بعث نبيا وحرست السماء بالشهب ومنعت الجن والشياطين من استراق السمع وإلقائه إلى الكهنة بطل علم الكهانة . وأزهق اللَّه أباطيل الكهان بالفرقان الذي فرق اللَّه عز وجل به بين الحق والباطل وأطلع اللَّه سبحانه نبيه ( ص ) بالوحي على ما شاء من علم الغيوب التي عجزت الكهنة عن الإحاطة به . وقال - فيما قال - : وإنما ضرب المثل بالكهان لأنهم كانوا يروجون أقاويلهم الباطلة بإسجاع تروق السامعين ، ويستميلون بها القلوب ، ويستصغون إليها الأسماع . أقول : وعلى أي حال ، فكلا نوعي الكهانة عند اليهود وعند مشركي العرب مذمومة في الإسلام . إلا أن ظاهر لفظ الكاهن هو الكهانة عند العرب لأنها استعملت في مجتمعهم فلا بد من فهمها بخصوصها عند الإطلاق ، ما لم تقيد بشيء آخر أو بقرينة معينة . ويحسن أن نروي هنا ما عن الطبرسي « 1 » في الاحتجاج في رواية تشرح الموضوع من جهاته المهمة شرحا متكاملا . حيث أن من جملة الأسئلة التي سأل الزنديق عنها أبا عبد اللَّه عليه السلام : قال الزنديق : فمن أين أصل الكهانة ومن أين يخبر الناس بما يحدث . قال ( ع ) : إن الكهانة كانت في الجاهلية في كل حين فترة من الرسل . كان الكاهن بمنزلة الحاكم يحتكمون إليه فيما يشتبه عليهم من الأمور بينهم ، فيخبرهم بأشياء تحدث . وذلك في وجوه شتى : فراسة العين وذكاء القلب ووسوسة النفس وفطنة الروح مع قذف في قلبه . لأن ما يحدث في الأرض من الحوادث الظاهرة فذلك يعلم الشيطان ، ويؤديه إلى الكاهن ويخبره بما يحدث في المنازل والأطراف . وأما أخبار السماء فإن الشياطين كانت تقعد مقاعد استراق السمع إذ
--> « 1 » المكاسب : ص 53 .