السيد محمد الصدر
79
ما وراء الفقه
فيستمعون إلى كلام الملائكة الذي قد يكون فيه بعض ما ينفع الناس أو التنبؤ بحوادث المستقبل . ثم يخبرون بها الكهان . ومن ثم يخبرون بها غيرهم . والذي يظهر من القرآن الكريم أن هذا الاستماع صحيح . ولذا ينص على منعهم عنه بعد الإسلام * ( لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلإِ الأَعْلى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جانِبٍ دُحُوراً وَلَهُمْ عَذابٌ واصِبٌ ، إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَه ُ شِهابٌ ثاقِبٌ ) * . ولكن صحة تحقق الاستماع لا يعني صحة الإخبار التي تصل إلى الناس لعدة أمور : منها : احتمال عدم فهم الجن والشياطين لكلام الملائكة بشكل متكامل . ومنها : احتمال : الدس والكذب من قبل الجن والشياطين أنفسهم . ومنها احتمال الدس والكذب من قبل الكهنة أنفسهم . ومن هنا أصبحت هذه الأخبار مزيجا مزعجا من الصدق والكذب ، بل إن الكذب عليها أوفر وأغلب . ومن هنا جاء النهي في الأدلة المعتبرة فقهيا عن مراجعة الكهان . وان ( من صدق منجما أو كاهنا فقد كفر بما أنزل على محمد ( ص ) ) . يعني بالنسبة إلى الكاهن - : ما أنزل على محمد ( ص ) من حجب الجن والشياطين عن الاستماع إلى الملإ الأعلى . ومن ثم لا يمكن أن يكون كلامهم صحيحا . ولنسمع الآن بعض ما قاله ابن منظور عن الكهنة . قال : الكاهن الذي يتعاطى الخبر عن الكائنات في مستقبل الزمان ، ويدعي معرفة الأسرار وقد كان من العرب كهنة كشق وسطيح وغيرهما . فمنهم من كان يزعم أن له تابعا من الجن ورئيا يلقي إليه الأخبار . ومنهم من كان يزعم أنه يعرف الأمور بمقدمات أسباب يستدل بها على مواقعها من كلام من يسأله أو فعله أو حاله . وهذا يخصونه باسم العراف الذي كان يدعي معرفة الشيء المسروق ومكان الضالة ونحوهما .