السيد محمد الصدر
61
ما وراء الفقه
وقد عددت الآية الثانية ثلاث أمور من تأثير السحر : أولا : سحروا أعين الناس . ثانيا : استرهبوهم . ثالثا : جاؤوا بسحر عظيم . ومقتضى التغاير بين هذه العناوين المتعاطفة في الآية الكريمة ، أن السحر العظيم ليس هو السحر لا عين الناس بل غيره . ولئن كان سحر أعين الناس تخييليا فإن السحر العظيم ليس تخييليا بل هو واقعي . ولا أقل من احتمال ذلك ، بحيث لا دليل من الآية على خلافه . بل هو ظاهر الآية ، لأنه مقتضى التغاير في العطف . فإذا اتصف أحد القسمين بالتخييل كان القسم الآخر خاليا منه . إذن فالآية الكريمة دالة على وجود السحر الواقعي ، وليست دالة على نفيه . كل ما في الأمر أن هؤلاء السحرة قد يكونوا جاؤوا بنوعين من السحر أحدهما تخييلي والآخر واقعي . ثانيا : إن التأثير السحري على العين أو على الخيال ، تأثير على الواقع ، لأنها من مصاديق الواقع ، على أي حال . وإذا أمكن التأثير على الواقع أحيانا أمكن دائما . ولا دليل على أن التأثير التخييلي أسهل من التأثير الواقعي . بل لعله أصعب ، لأن النفس حسب ما نعرف صعبة المراس أكثر من الطبيعة ، فالتأثير عليها أقوى وأشد . فإذا أمكن للسحر الأمر الأشد أمكن الأمر الأخف . وإن ناقشنا بكونه أشد فلا أقل من التساوي ، فيكون إمكانهما متساويا . ثالثا : إن الخيال غير الوهم ، وإن استعمله الناس في معناه عرفا والطاقة النفسية التي تؤدي إلى مخالفة الواقع أو إدراك ما يخالفه ، هي الوهم وليست هي الخيال . كما ثبت في الفلسفة . وأما الخيال ، فهو قوة نفسية حقة ، قال بعض الفلاسفة إنها خلقها اللَّه