السيد محمد الصدر
44
ما وراء الفقه
وهم بالطبع لا يرون الفلك الأعلى نهاية العلل ، بل هناك علل أعلى منه ، كاللوح المحفوظ ، والعقل الفعال . كما أن هناك علل أدنى منه ، وهي العلل الطبيعية المعروفية . الدليل الثاني : التأثيرات الكوكبية على الأرض ، كما يقول به المنجمون ، ويكفي الاعتراف بها جزئيا . فإن هذه التأثيرات إنما تكون من قبل فاعل مختار . لأن مصالحها معروفة ومحسوسة لدينا ، وكل عمل فيه مصلحة ففاعلة عالم وعامد ومختار . وإذا تكرر الأمر كان ذلك تأكيدا وإيضاحا للفكرة . وهنا يجيب المتشرعة الملتزمون بظاهر الشريعة ، أن هذه المصالح موجودة بمشيئة اللَّه سبحانه . وهذا لا يعني أن الكواكب نفسها فاعلة ومختارة . ويجيب الفلاسفة : أننا كما نحتاج إلى العلية في الخلق ، أي ما به الوجود . نحتاج إلى علة غائية أيضا ، لأن الفعل منسوب بنسبة صحيحة وكاملة إلى الأفلاك . إذن فهي التي أنتجت النتائج المطلوبة والصحيحة ، وكل من أنتج مثل هذه النتائج فهو فاعل مختار . فهذه نبذة عن استدلال الفلاسفة . ولا أريد أن أكون مدافعا عنها ، لأن أسسها وتفريعاتها تخرج بعمقها وتفاصيلها عن مستوي هذا الكتاب . والمهم أن القول بوجود الاختيار للأفلاك والنجوم ليس بالأمر الغريب ، بل هو المشهور بين الفلاسفة فعلا . بقي إن نلتفت ولو بصورة موجزة إلى أن العلم الطبيعي الحديث لم يأت بتفسير قطعي لحركات الكواكب والنجوم ، وإنما عرضوا نظريات واحتمالات لنشئ الكون لا يمكن أن تدخل تحت التجربة التي يؤمنون بأنها الأسلوب الرئيسي أو الوحيد للاستدلال . ولا زالوا يحاولون التعمق في ذلك بمحاولات تكاد أن تكون يائسة . ومن المؤسف أن هذا المنحى أسقط العلة الفاعلية والعلة الغائية بالمرة