علي بن زيد البيهقي

31

معارج نهج البلاغة

من كمال أمير المؤمنين ، عليه السّلام ، في الزهد والشّجاعة ، وهما خلقان لازمان للعارف الموحّد ، خصوصا ( 18 ر ) للخليفة والملك . ( 134 ) والعرب ينسب كلّ امر كل إلى واحد قد كمل فيه ، وان كان كاملا في الآداب الاخر ، فيقولون غزل ابن أبي ربيعة ، وان كان شعره فيما دون الغزل امتن من شعره في الغزل . وكذلك تشبيب العصامّى وعتاب حجظة ، ونسيب أبى وجرة ، ووعظ ابن جذاق ، وغير ذلك . فكذلك نسبت العرب الشّجاعة والزهد [ إلى ] أمير المؤمنين ، عليه السّلام ، وان كان في ساير الكمالات الانسانية من الفضائل اللايقة به حاز خصل الرّهان . ( 135 ) واما قوله : روايات كلامه تختلف اختلافا شديدا ، ربما كان الاختلاف بسبب انّه ذكر معنى واحدا غير مرّة بألفاظ مختلفة ، كما يفعله البلغاء والفصحاء ، أو لانّ بعض من سمع كلامه على المنبر أو في المحاورة ، لم يقدر على حفظ كلامه ومراعاة ترتيبه . ( 136 ) وحفظ كلام خطيب أو محاور على الولاء صورة ومعنى من غير تكرار ، امر متعذّر . وقد يوجد من اعطى اللَّه له قوة حافظة يضبط ويحرز ما سمع . ( 137 ) وكان في زماننا الأمير العالم علي بن منتجب الملك محمد بن أرسلان ، رحمه اللَّه ، يحفظ ما يسمع من الفضايل والحكايات المنثورة . حتّى انّ الحكيم ابن التلميذ النصرانىّ قرأ عليه بين يدي الوزير محمد بن أبي توبة سفرا من الإنجيل مرة ، فحفظه الأمير علىّ ، وعاده . ( 138 ) وكان في الزمن الماضي واحد يحفظ ما يسمع مرة ، وابنه يحفظ ما يسمع مرّتين ، وغلامه يحفظ ما يسمع ثلث مرات . فأنشد واحد قصيدة ، فقال ذلك الحافظ للحاضرين : هذه القصيدة لي ، وانا احفظها ، وابنى وغلامي . فقرأها فسمع ابنه هذه القصيدة مرّتين ، فأنشدها . فسمع غلامه هذه القصيدة ثلث مرات ، فأنشدها .