التبريزي الأنصاري

456

اللمعة البيضاء

الدين والهداية ، وظلمات الغي والجهالة ، وليس المراد إزالتها عن جميعهم ، وإلا لم يبق في الخلق ضال كافر بالمرة ، بل المراد إزالتها عمن كان قابلا للهداية ، أو المراد إزالتها عن الجميع إزالة قوية شأنية لا فعلية ، بأن أزال الشبهات وأتى بالدلائل الواضحات والآيات البينات ، فهلك من هلك عن بينة ، وحي من حي عن بينة ، ولعل لهذا المعنى الأخير مقربات من فقرات الخطبة الشريفة ، كما لا يخفى لمن تأمل فيها . والظلمة والظل متقاربان لفظا ومعنى ، وظلمة الليل ظل الأرض الحادث بغروب الشمس وكونها تحت الأرض ، وظلمة البطن ظل الجسم المحيط به ، وظلمة البيت ظل الجدران والسقف المحيطة به وهكذا . والظلمات المعنوية ظل الكثافات الدنيوية ، والكدورات الجسمانية والنفسانية وهكذا ، فإن إشراق نور الأزل انما يكون من جهة عالم الباطن ، فيقع في عالم الظاهر من جهة كدوراته الحاجبة ظل الجهالة والغواية ونحو ذلك ، فتأمل في ذلك فإنه نكتة دقيقة لا يدركها إلا البصر الحديد ، ( فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد ) ( 1 ) . ( وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه ) ( 2 ) . ( ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة ) ( 3 ) فليس لهم أن يفقهوه . وسمى الظلم خلاف العدل ظلما لأنه ظلمة حادثة من غروب شمس العقل وقمر العدل ، بل العقل والعدل متقاربان لفظا ومعنى بقول فصل ليس بالهزل . والأصل في الظلم لغة وعرفا هو وضع الشيء في غير موضعه ، ومنه قولهم : من استرعى الذئب على الغنم فقد ظلم ، وبعكسه العدل الصوري والمعنوي ،

--> ( 1 ) ق : 22 . ( 2 ) الإسراء : 46 . ( 3 ) البقرة : 7 .