التبريزي الأنصاري

455

اللمعة البيضاء

وقيل : إن قوما من السلف كانوا يتأسفون لموت آبائهم ، وأمهاتهم ، وأولادهم ، وإخوانهم ، وأقربائهم ، وأصدقائهم ، فتمثل لهم الشيطان وقال لهم : صوروا صور موتاكم فضعوها في بعض بيوتكم ، فإذا اشتقتم إليهم فزوروهم في بيوتكم ، ففعلوا كذلك ، ثم لما مات السلف واستخلف الخلف ، أوقع الشيطان في بالهم ان آباءهم كانوا يعبدون تلك الصور المنحوتة المعمولة لأنها آلهتهم أو صور آلهتهم ، فسرى الوهم فضلوا عن السبيل فهم لا يهتدون ، وفي بيداء الغي يعمهون . وقيل : إن جماعة من الأمم السالفة صوروا علماءهم وزهادهم ، وجعلوها في حياتهم وبعد وفاتهم في بيوتهم ، يزورون تلك الصور تعظيما لشأن أربابها ، وتقربا إلى الله سبحانه بتعظيمها ، فلما مضى السلف ولم يعرف الخلف جهة ما كان يفعل آباؤهم وأجدادهم ، فخيل الشيطان إليهم انهم ما كانوا يفعلون كذلك إلا انهم آلهتهم أو صور آلهتهم ، فآل الأمر إلى ما آل ، فتاهوا في بيداء الضلال ، وقيل غير ذلك مما أوجب وقوعهم في ظلمات المهالك . قولها ( عليها السلام ) : ( ( فأنار الله بمحمد ( صلى الله عليه وآله ) ظلمها . . . الخ ) ) . الظلم - بضم الظاء وفتح اللام - جمع الظلمة كغرف وغرفة ، وضمير ظلمها للفرق والأمم ، وإنارة الظلمة إزالتها بالنور . ولما كانت الظلمة هي ظلمة شبهات الجهل والضلالة الثابتة فيهم المحيطة عليهم ، كان النور هو نور المعرفة والهداية الذي أتى به النبي ( صلى الله عليه وآله ) باظهار أحكام الشريعة القويمة ، ودعوة الناس إلى تلك الطريقة المستقيمة ، فأزال عنهم تلك الظلمة ، كما قال تعالى : ( أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها ) ( 1 ) . والمراد كما في الأخبار موت الجهل والغواية ، وحياة العلم والمعرفة ، ونور

--> ( 1 ) الأنعام : 122 .