ابن منظور

96

لسان العرب

وعَشِيَ وعَرِجَ ولا نقول حَمِرَ ولا بَيضَ ولا صَفِرَ ، قال الفراء : ليس بشيء ، إنما يُنْظر في هذا إلى ما كان لصاحبِه فِعْلٌ يقلُّ أَو يكثُر ، فيكون أَفْعَلُ دليلاً على قِلَّةِ الشيء وكَثْرَتِه ، أَلا تَرَى أَنك تقولُ فلان أَقْوَمُ من فلانٍ وأَجْمَل ، لأَنَّ قيام ذا يزيدُ على قيام ذا ، وجَمالَه يزيدُ على جَمالِه ، ولا تقول للأَعْمَيَيْن هذا أَعْمَى من ذا ، ولا لِمَيِّتَيْن هذا أَمْوتُ من ذا ، فإن جاء شيءٌ منه في شعر فهو شاذٌّ كقوله : أَمَّا المُلوك ، فأَنت اليومَ أَلأَمُهُمْ * لُؤْماً ، وأَبْيَضُهم سِرْبالَ طَبَّاخِ وقولهم : ما أَعْماه إنما يُراد به ما أَعْمَى قَلْبَه لأَنَّ ذلك ينسبُ إليه الكثيرُ الضلالِ ، ولا يقال في عَمَى العيونِ ما أَعْماه لأَنَّ ما لا يَتزَيَّد لا يُتَعَجَّب منه . وقال الفراء في قوله تعالى : وهُوَ عَلَيْهِم عَمًى أُولئك يُنادَوْنَ من مكانٍ بَعيدٍ ؛ قرأَها ابنُ عباس ، رضي الله عنه : عَمٍ . وقال أَبو معاذ النحويّ : من قرأَ وهُو علَيهم عَمًى فهو مصدرٌ . يقا : هذا الأَمرُ عَمًى ، وهذه الأُمورُ عَمًى لأَنه مصدر ، كقولك : هذه الأُمور شُبْهَةٌ ورِيبةٌ ، قال : ومن قرأَ عَمٍ فهو نَعْتٌ ، تقول أَمرٌ عَمٍ وأُمورٌ عَمِيَةٌ . ورجل عَمٍ في أَمرِه : لا يُبْصِره ، ورجل أَعْمَى في البصر ؛ وقال الكُمَيت : أَلا هَلْ عَمٍ في رَأْيِه مُتَأَمِّلُ ومثله قول زهير : ولكِنَّني عَنْ عِلْمِ ما في غَدٍ عَمٍ والعامِي : الذي لا يُبْصرُ طَريقَه ؛ وأَنشد : لا تَأْتِيَنِّي تَبْتَغِي لِينَ جانِبي * بِرَأْسِك نَحْوي عامِيًا مُتَعاشِيَا قال ابن سيده : وأَعْماه وعَمَّاه صَيَّره أَعْمَى ؛ قال ساعدة بنُ جُؤيَّة : وعَمَّى علَيه المَوْتُ يأْتي طَريقَه * سِنانٌ ، كعَسْراء العُقابِ ومِنْهَب ( 1 ) يعني بالموت السنانَ فهو إذاً بدلٌ من الموت ، ويروى ، وعَمَّى عليه الموت بابَيْ طَريقه يعني عَيْنَيْه . ورجل عَمٍ إذا كان أَعْمَى القَلْبِ . ورجل عَمِي القَلْب أَي جاهلٌ . والعَمَى : ذهابُ نَظَرِ القَلْبِ ، والفِعْلُ كالفِعْلِ ، والصِّفةُ كالصّفةِ ، إلَّا أَنه لا يُبْنَى فِعْلُه على افْعالَّ لأَنه ليس بمَحسوسٍ ، وإنما هو على المَثَل ، وافْعالَّ إنما هو للمَحْسوس في اللَّوْنِ والعاهَةِ . وقوله تعالى : وما يَسْتَوِي الأَعْمَى والبَصير ولا الظُّلُماتُ ولا النُّورُ ولا الظِّلُّ ولا الحَرُورُ ؛ قال الزجاج : هذا مَثَل ضَرَبه الله للمؤمنين والكافرين ، والمعنى وما يَسْتَوي الأَعْمَى عن الحَق ، وهو الكافِر ، والبَصِير ، وهو المؤمن الذي يُبْصِر رُشْدَه ، ولا الظُّلماتُ ولا النورُ ، الظُّلماتُ الضلالات ، والنورُ الهُدَى ، ولا الظلُّ ولا الحَرورُ أَي لا يَسْتَوي أَصحابُ الحَقِّ الذينَ هم في ظلٍّ من الحَقّ ولا أَصحابُ الباطِلِ الذين هم في حَرٍّ دائمٍ ؛ وقول الشاعر : وثلاثٍ بينَ اثْنَتَينِ بها يُرْسلُ * أَعْمَى بما يَكيِدُ بَصيرَا يعني القِدْحَ ، وجَعَله أَعْمى لأَنه لا بَصَرَ لَه ، وجعله بصيراً لأَنه يُصَوِّب إلى حيثُ يَقْصد به الرَّامِي .

--> ( 1 ) قوله [ وعمى الموت الخ ] برفع الموت فاعلاً كما في الأصول هنا ، وتقدم لنا ضبطه في مادة عسر بالنصب والصواب ما هنا ، وقوله ويروى : وعمى عليه الموت بابي طريقه . يعني عينيه الخ هكذا في الأصل والمحكم هنا ، وتقدم لنا في مادة عسر أيضاً : ويروى يأبى طريقه يعني عيينة ، والصواب ما هنا .