الإمام الشافعي
276
كتاب الأم
صقرا أو ثيران ( 1 ) فباضت وأفرخت . لم يحل أكل فراخها من ذلك التجثم . لاختلاط المحرم والحلال فيه . الا ترى أن خمرا لو اختلطت بلبن . أو ودك خنزير بسمن . أو محرما بحلال فصارا لا يزيل أحدهما من الآخر حرم أن يكون مأكولا . ولو أن صيدا أصيب أو بيض صيد . فأشكلت خلقته . فلم يدر لعل أحد أبويه مما لا يحل أكله والآخر يحل أكله ، كان الاحتياط . الكف عن أكله . والقياس أن ينظر إلى خلقته فأيهما كان أولى بخلقته جعل حكمه حكمه . إن كان الذي يحل أكله أولى بخلقته أكله . وإن كان الذي يحرم أكله أولى بخلقته لم يأكله . وذلك مثل أن ينزو حمار انسى أتانا وحشية ( 2 ) أو أتانا أنسية . ولو نزا حمار وحشى فرسا أو فرس أتانا وحشيا لم يكن بأكله بأس . لان كليهما مما يحل أكله . وإذا توحش واصطيد ، أكل بما يؤكل به الصيد . وهكذا القول في صغار أولاده وفراخه وبيضه ، لا يختلف . وما قتل المحرم من صيد يؤكل لحمه ، فداه وكذلك يفدى ما أصاب من بيضه . وما قتل من صيد لا يؤكل لحمه . أو أصاب من بيضه لم يفده . ولو أن ذئبا نزا على ضبع فجاءت بولد فإنها تأتى بولد لا يشبهها محضا ولا الذئب محضا يقال له السبع ، لا يحل أكله لما وصفت من اختلاط المحرم والحلال ، وأنهما لا يتميزان فيه . ( ما يحل بالضرورة ) ( قال الشافعي ) قال الله عز وجل فيما حرم ولم يحل بالذكاة " وما لكم أن لا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه " وقال " إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير " إلى قوله " غفور رحيم " وقال في ذكر ما حرم " فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لاثم فإن الله غفور رحيم " ( قال الشافعي ) فيحل ما حرم من ميتة ودم ولحم خنزير وكل ما حرم مما لا يغير العقل من الخمر للمضطر . والمضطر ، الرجل يكون بالموضع . لا طعام فيه معه ولا شئ يسد فورة جوعه ، من لبن وما أشبهه ، ويبلغه الجوع ما يخاف منه الموت أو المرض ، وإن لم يخف الموت أو يضعفه ويضره أو يعتل أو يكون ماشيا فيضعف عن بلوغ حيث يريد ، أو راكبا فيضعف عن ركوب دابته ، أو ما في هذا المعنى من الضرر البين ، فأي هذا ناله فله أن يأكل من المحرم . وكذلك يشرب من المحرم غير المسكر ، مثل الماء تقع فيه الميتة وما أشبهه . وأحب إلى أن يكون اكله إن أكل وشاربه إن شرب أو جمعهما فعلى ما يقطع عنه الخوف ويبلغ به بعض القوة ولا يبين أن يحرم عليه أن يشبع ويروى ، وإن أجزأه دونه ، لان التحريم قد زال عنه بالضرورة . وإذا بلغ الشبع والري فليس له مجاوزته ، لان مجاوزته حينئذ إلى الضرر أقرب منها إلى النفع . ومن بلغ إلى الشبع فقد خرج في بلوغه من حد الضرورة وكذلك الري . ولا بأس أن يتزود معه من الميتة ما اضطر إليه ، فإذا وجد الغنى عنه طرحه . ولو تزود معه ميتة فلقى مضطرا أراد شراءها منه ، لم يحل له ثمنها ، إنما حل له منها منع الضرر البين على بدنه لا ثمنها ، ولو اضطر ، ووجد طعاما ، لم يؤذن له به ، لم يكن له أكل الطعام ، وكان له أكل
--> ( 1 ) قوله : أو ثيران ، هكذا في النسخ ، بغير نقط . وحرره . كتبه مصححه . ( 2 ) قوله : أو أتانا أنسية كذا في النسخ ، ولعل في الكلام سقطا من الناسخ والأصل " أو حمار وحشي أتانا انسية " كتبه مصححه .