الإمام الشافعي
277
كتاب الأم
الميتة ، ولو اضطر ، ومعه ما يشترى به ما يحل ، فإن باعه بثمنه في موضعه أو بثمن ما يتغابن الناس بمثله ، لم يكن له أكل الميتة وإن لم يبعه إلا بما لا يتغابن الناس بمثله ، كان له أكل الميتة ، والاختيار أن يغالى به ويدع أكل الميتة . وليس له ، بحال ، أن يكابر رجلا على طعامه وشرابه وهو يجد ما يغنيه عنه من شراب فيه ميتة أو ميتة ، وإن اضطر فلم يجد ميتة ولا شرابا فيه ميتة ، ومع رجل شئ ، كان له أن يكابره ، وعلى الرجل أن يعطيه . وإذا كابره ، أعطاه ثمنه وافيا ، فإن كان إذا أخذ شيئا خاف مالك المال على نفسه ، لم يكن له مكابرته . وإن اضطر وهو محرم إلى صيد أو ميتة ، أكل الميتة وترك الصيد ، فإن أكل الصيد فداه ، إن كان هو الذي قتله . وإن اضطر فوجد من يطعمه أو يسقيه ، فليس له أن يمتنع من أن يأكل أو يشرب . وإذا وجد فقد ذهبت عنه الضرورة إلا في حال واحدة ، أن يخاف إن أطعمه أو سقاه ، أن يسمه فيه فيقتله ، فله ترك طعامه وشرابه بهذه الحال . وإن كان مريضا فوجد مع رجل طعاما أو شرابا ، يعلمه يضره ويزيد في مرضه ، كان له تركه ، وأكل الميتة وشرب الماء الذي فيه الميتة ، وقد قيل : إن الضرورة وجها ثانيا ، أن يمرض الرجل المرض يقول له أهل العلم به ، أو يكون هو من أهل العلم به : قلما يبرأ من كان به مثل هذا إلا أن يأكل كذا ، أو يشرب كذا ، أو يقال له : إن أعجل ما يبرئك أكل كذا أو شرب كذا ، فيكون له أكل ذلك وشربه ، ما لم يكن خمرا إذا بلغ ذلك منها أسكرته ، أو شيئا يذهب العقل من المحرمات أو غيرها فإن إذهاب العقل محرم . ومن قال هذا ، قال : أمر النبي صلى الله عليه وسلم الاعراب أن يشربوا ألبان الإبل وأبوالها وقد يذهب الوباء بغير ألبانها وأبوالها ، إلا أنه أقرب ما هنالك أن يذهبه عن الاعراب لاصلاحه لأبدانهم ، والأبوال كلها محرمة ، لأنها نجسة ، وليس له أن يشرب خمرا ، لأنها تعطش وتجيع . ولا لدواء لأنها تذهب بالعقل . وذهاب العقل منع الفرائض ، وتؤدى إلى إتيان المحارم . وكذلك ما أذهب العقل غيرها . ومن خرج مسافرا فأصابته ضرورة بجوع أو عطش ، ولم يكن سفره في معصية الله عز وجل ، حل له ما حرم عليه مما نصف إن شاء الله تعالى . ومن خرج عاصيا لم يحل له شئ مما حرم الله عز وجل عليه بحال ، لان الله تبارك وتعالى إنما أحل ما حرم بالضرورة ، على شرط أن يكون المضطر غير باغ ولا عاد ولا متجانف لاثم . ولو خرج عاصيا ثم تاب فأصابته الضرورة بعد التوبة رجوت أن يسعه أكل المحرم وشربه . ولو خرج غير عاص ، ثم نوى المعصية ، ثم أصابته الضرورة ونيته المعصية ، خشيت أن لا يسعه المحرم ، لأني أنظر إلى نيته في حال الضرورة ، لا في حال تقدمتها ولا تأخرت عنها ( 1 ) .