الإمام الشافعي

267

كتاب الأم

في غير هذا الموضع ، فقال تبارك وتعالى " ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام " وقال " قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفها بغير علم وحرموا ما رزقهم الله افتراء على الله قد ضلوا وما كانوا مهتدين " وقال الله عز وجل وهو يذكر ما حرموا " وقالوا هذه أنعام وحرث حجر ، لا يطعمها إلا من نشاء بزعمهم " إلى قوله " حكيم عليم " وقالوا ما في بطون هذه الانعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا " الآية وقال " ثمانية أزواج من الضأن اثنين ومن المعز اثنين " الآية والآيتين بعدها فأعلمهم جل ثناؤه ، أنه لا يحرم عليهم ما حرموا . ويقال : نزلت فيهم " قل هلم شهداءكم الذين يشهدون أن الله حرم هذا فإن شهدوا فلا تشهد معهم " فرد إليهم ما أخرجوا من البحيرة والسائبة والوصيلة والحام وأعلمهم أنه لم يحرم عليهم ما حرموا بتحريمهم وقال " أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم " يعنى والله أعلم من الميتة . ويقال : أنزل في ذلك " قل لا أجد فيما أوحى إلى محرما على طاعم يطعمه " إلى قوله " فسقا أهل لغير الله به " وهذا يشبه ما قيل يعنى " قل لا أجد فيما أوحى إلي محرما " أي من بهيمة الأنعام إلا ميتة أو دما مسفوحا منها وهي حية أو ذبيحة كافر . وذكر تحريم الخنزير معها وقد قيل : ما كنتم تأكلون إلا كذا . وقال " فكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا " إلى قوله " وما أهل لغير الله به " وهذه الآية في مثل معنى الآية قبلها . ( ما حرم بدلالة النص ) ( قال الشافعي ) رحمه الله تعالى قال الله تبارك وتعالى " ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث " فيقال يحل لهم الطيبات عندهم ، ويحرم عليهم الخبائث عندهم . قال الله عز وجل " لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم " وكان الصيد ما امتنع بالتوحش كله ، وكانت الآية محتملة أن يحرم على المحرم ما وقع عليه اسم صيد ، وهو يجزى بعض الصيد دون بعض . فدلت سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن من الصيد شيئا ليس على المحرم جزاؤه كل ما يباح للمحرم قتله . ولم يكن في الصيد شئ يتفرق إلا بأحد معنيين ، إما بأن يكون الله عز وجل أراد أن يفدى الصيد المباح أكله ولا يفدى ما لا يباح أكله ، وهذا أولى معنييه به والله أعلم لأنهم كانوا يصيدون ليأكلوا ، لا ليقتلوا ، وهو يشبه دلالة كتاب الله عز وجل قال الله تعالى " ليبلونكم الله بشئ من الصيد تناله أيديكم ورماحكم " وقال عز وجل " لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم " وقال " أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم وللسيارة ، وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما " فذكر جل ثناؤه إباحة صيد البحر للمحرم ومتاعا له ، يعنى طعاما ، والله أعلم ، ثم حرم صيد البر فأشبه أن يكون إنما حرم عليه بالاحرام ما كان أكله مباحا له قبل الاحرام ، ثم أباح رسول الله صلى الله عليه وسلم للمحرم أن يقتل الغراب ، والحدأة ، والفأرة ، والكلب العقور ، والأسد ، والنمر ، والذئب الذي يعدو على الناس ، فكانت محرمة الاكل على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ نهى عن أكل كل ذي ناب من السباع ، فكان ما أبيح قتله معها ، يشبه أن يكون محرم الاكل لاباحته معها ، وأنه لا يضر ضررها ، وأباح رسول الله صلى الله عليه وسلم أكل الضبع ، وهو أعظم ضررا من الغراب والحدأة والفأرة أضعافا ، والوجه الثاني أن يقتل المحرم ما ضر ، ولا يقتل ما لا يضر ، ويفديه إن قتله ، وليس هذا معناه ، لان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحل أكل لحم الضبع ، وأن السلف والعامة عندهم