ابن الجوزي

43

كشف المشكل من حديث الصحيحين

فأجاب حنبلي محقق في الأصول - يعني ابن عقيل نفسه - فقال : إن خصيصة النبي [ صلى الله عليه وسلم ] حاصلة من جهة خفية عن كثير من العلماء ؛ وذلك أن شريعة نبينا [ صلى الله عليه وسلم ] جاءت ناسخة لكل شريعة قبلها ، فلم يبق يهودية ولا نصرانية ولا دين من سائر الأديان التي جاءت بها النبوات إلا أمر بتركها ودعا إلى شريعته ، ومعنى قوله : « كل نبي بعث إلى قومه » المراد أنه قد كان يجتمع في العصر الواحد نبيان يدعو كل واحد منهما إلى شريعة تختصه ولا يدعو الأمة التي بعث فيها غيره إلى دينه ولا يصرف عنه ، ولا ينسخ ما جاء به الآخر ، فهذه خصيصة لم تكن لأحد قبله ، حتى إن نوحا لم ينقل أنه كان معه نبي ، فدعا إلى ملته ملة ذلك النبي ولا نسخها ، وهذا يدفع ما قالوا وقدروه من الأسئلة وعقبوه بالأجوبة ، ويوضح هذا أنه لما وجد ورقة من التوراة بيد عمر قال : « ألم آتكم بها بيضا نقية ؟ والله لو أدركني موسى لما وسعه إلا اتباعي » ( 1 ) . لأنه لا يقدر عيسى أن يقول في التوراة ولا في حق موسى هذه المقالة ، فعلم أن هذه الخصيصة التي امتاز بها عن جميع الأنبياء دون ما توهمه السائل من البعثة العامة إلى جميع الناس ودون أرباب الشرائع ، والله أعلم . 1300 / 1579 - وفي الحديث السابع والخمسين : رأيت بالنبي [ صلى الله عليه وسلم ] خمصا ، فانكفأت إلى امرأتي ، ولنا بهيمة داجن فذبحتها وقطعتها في برمتها ( 2 ) . الخمص : الجوع . والمخمصة : المجاعة .

--> ( 1 ) « المسند » ( 3 / 387 ) ، و « المجمع » ( 1 / 173 ، 174 ) ، و « الفتح » ( 13 / 334 ) ، و « الدر المنثور » ( 2 / 48 ، 5 / 147 ، 148 ) . ( 2 ) البخاري ( 3070 ) ، ومسلم ( 2039 ) .