ابن الجوزي
123
كشف المشكل من حديث الصحيحين
فمن تبعها فلا يقعد حتى توضع » ( 1 ) . أما القيام للجنازة فقد سبق أنه منسوخ ، في مسند علي عليه السلام ( 2 ) . وأما قوله : « حتى توضع » فإنا كنا نقول : توضع عن أعناق الرجال ، حتى رأينا في المتفق عليه من حديث أبي هريرة عن النبي [ صلى الله عليه وسلم ] أنه قال : « حتى توضع في اللحد » ( 3 ) . وفي لفظ أخرجه مسلم : « حتى توضع في القبر » ( 4 ) ووجه ذلك أن التابع للشيء يكون بحكمه ، فمن قعد قبل وضعها فما تأدب لها ، ولا كأنه تبعها ، ووضعها على الحقيقة إنما هو في القبر ، فلا اعتبار بحطها عن الرؤوس . ثم رأينا أبا بكر الأثرم وكان من كبار العلماء - يقول : إنما المراد به : حتى توضع عن مناكب الرجال ، واحتج بحديث البراء : كنا مع رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] في جنازة ، فانتهينا إلى القبر ولما يلحد ، فجلس وجلسنا حوله . قال : وحديث أبي هريرة غلط من أبي معاوية ، فإنه رواه عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة . وإنما رواه سهيل عن أبيه عن أبي سعيد عن النبي [ صلى الله عليه وسلم ] أنه قال : « من تبع جنازة فلا يقعد حتى توضع » فغلط أبو معاوية في إسناده وفي كلامه . قلت : ويمكن أن يقال : إن رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] إنما جلس هناك لأنه لم يكمل حفر القبر فرأى الأمر يطول ، بخلاف ما إذا كان محفورا .
--> ( 1 ) البخاري ( 1309 ) ، ومسلم ( 959 ) . ( 2 ) الحديث ( 141 ) . ( 3 ) في البخاري ( 1325 ) ، ومسلم ( 945 ) « حتى تدفن » ، وفي النسائي ( 4 / 76 ) : « حتى توضع في اللحد » . ( 4 ) مسلم ( 945 ) . ( 5 ) أبو داود ( 3212 ) ، والنسائي ( 4 / 78 ) .