ابن الجوزي

154

كشف المشكل من حديث الصحيحين

وقوله : « أطلقوا لي غمري » الغمر : قدح صغير ، أو قعب صغير . والمعنى : جيئوني به . وقوله تكابوا عليه : أي وقع بعضهم على بعض . وقوله : « أحسنوا الملأ » كثير من طلاب الحديث يقولون الملء ، وسمعت أبا محمد الخشاب يقرأها كذلك ، وفسرها فقال : ملء القرب ، وهذا غلط فاحش ( 1 ) ، لأنه كان عندهم قعب صغير ، وإنما كانوا يسقون منه لشفاههم ولم يملأوا منه قربة ولا وعاء ، ولهذا قال : « كلكم سيروى » وإنما هو : أحسنوا الملأ : يعني الخلق . قال أبو زيد : يقال : أحسن ملأك : أي خلقك . قال المفضل بن سلمة : الملأ : الخلق ، وجمعه أملاء ، ومنه الحديث : « أحسنوا أملاءكم » أي أخلاقكم ، وكذلك قال الزجاج : الملأ : الخلق ، أحسنوا ملأكم : أي أخلاقكم ، قال الشاعر : تنادوا يال بهشة إذ رأونا * فقلنا : أحسني ملأ جهينا ( 2 ) أي خلقا . وقال ابن السكيت : أي أحسنوا أخلاقكم في الحرب فافعلوا ما يجب عليكم فيها كما يفعل صاحب الخلق الحسن . قال : والملأ : الخلق ، قال النبي : « أحسنوا ملأكم وأملاءكم » قال ابن قتيبة : بال أعرابي في المسجد فضربه أصحاب رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] ، فقال لهم : أحسنوا ملأكم » ( 3 ) .

--> ( 1 ) ينظر « النهاية » ( 4 / 351 ) . ( 2 ) البيت لعبد الشارق بن عبد العزى - ديوان الحماسة ( 1 / 247 ) ، وفيه مصادر ، وهو في « المعاني » للزجاج ( 1 / 321 ) . ( 3 ) ينظر « إصلاح المنطق » ( 423 ) ، و « تهذيب اللغة » ( 15 / 403 ) ، و « اللسان - ملأ » .