ابن خلدون

443

تاريخ ابن خلدون

انعقد ما بين السلطان أبى العباس والوزير أبى بكر وخرج إليه من البلد الجديد وخلع سلطانه الصبى المنصوب ودخل السلطان أبو العباس إلى دار الملك فاتح ست وسبعين وارتحل الأمير عبد الرحمن يغذ السير إلى مراكش وبدا للسلطان أبى العباس ووزيره محمد بن عثمان في شأنه فسرحوا العساكر في اتباعه وانتهوا خلفه إلى وادى بهت فواقفوه ساعة من نهار ثم أحجموا عنه وولوا على راياتهم وسار هو إلى مراكش ورجع عنه وزيره مسعود بن ماسى بعد أن طلب منه الإجازة إلى الأندلس يتودع بها فسرحه لذلك وسار إلى مراكش فملكها وأما أنا فكنت مقيما بفاس في ظل الدولة وعنايتها منذ قدمت على الوزير سنة أربع وسبعين كما مر عاكفا على قراءة العلم وتدريسه فلما جاء السلطان أبو العباس والأمير عبد الرحمن وعسكروا بكدية العرائس وخرج أهل الدولة إليهم من الفقهاء والكتاب والجند وأذن للناس جميعا في مباكرة أبواب السلطانين من غير نكير في ذلك فكنت أباكر هما معا وكان بيني وبين الوزير محمد بن عثمان ما مر ذكره قبل هذا فكان يظهر لي رعاية ذلك ويكثر من المواعيد وكان الأمير عبد الرحمن يميل إلى ويستدعيني أكثر أوقاته ويشاورني في أحواله فغص بذلك الوزير محمد بن عثمان وأغرى سلطانه فتقبض على وسمع الأمير عبد الرحمن بذلك وعلم انى انما أتيت من جرأه فحلف ليقوضن خيامه وبعث وزيره مسعود بن ماسى لذلك فأطلقني من الغد ثم كان افتراقهما لثالثة ودخل الأمير أبو العباس دار الملك وسار الأمير عبد الرحمن إلى مراكش وكنت أنا يومئذ مستوحشا فصحبت الأمير عبد الرحمن معتزما على الإجازة إلى الأندلس من ساحل آسفى معولا في ذلك على صحابة الوزير مسعود بن ماسى لهواي فيه فلما رجع مسعود ثنى عزمي في ذلك ولحقنا بوترمار بن عريف بمكانه من نواحي كرسيف لتقدمه وسيلة إلى السلطان أبى العباس صاحب فاس في الجواز إلى الأندلس ووافينا عنده داعى السلطان فصحبناه إلى فاس واستأذنه في شأني فأذن لي بعد مطاولة وعلى كره من الوزير محمد بن عثمان بن داود بن اعراب ورجال الدولة وكان الأخ يحيى لما رحل السلطان أبو حمو من تلمسان رجع عنه من بلاد زغبة إلى السلطان عبد العزيز فاستقر في خدمته وبعده في خدمة ابنه السعيد المنصوب مكانه ولما استولى السلطان أبو العباس على البلد الجديد استأذن الأخ في اللحاق بتلمسان فأذن له وقدم على السلطان أبى حمو فأعاده لكتابة سره كما كان أول أمره وأذن لي أنا بعده فانطلقت إلى الأندلس بقصد القرار والدعة إلى أن كان ما نذكره إن شاء الله تعالى { الإجازة الثانية إلى الأندلس ثم إلى تلمسان واللحاق بأحياء العرب والمقامة عند أولاد عريف }