ابن خلدون
444
تاريخ ابن خلدون
ولما كان ما قصصته من تنكر السلطان أبى العباس صاحب فاس والذهاب مع الأمير عبد الرحمن ثم الرجوع عنه إلى وترمار بن عريف طلبا للوسيلة في انصرافي إلى الأندلس بقصد الفرار والعكوف على قراءة العلم فتم ذلك ووقع الاسعاف به بعد الامتناع وأجزت إلى الأندلس في ربيع سنة ست وسبعين ولقيني السلطان بالكرامة وأحسن النزل على عادته وكنت لقيت بجبل الفتح كاتب السلطان ابن الأحمر من بعد ابن الخطيب الفقيه أبا عبد الله بن زمرك ذاهبا إلى فاس في غرض التهنئة وأجاز إلى سبتة في أسطوله وأوصيته بإجازة أهلي وولدي إلى غرناطة فلما وصل إلى فاس وتحدث مع أهلي في اجازتهم تنكروا لذلك وساءهم استقراري بالأندلس واتهموا انى ربما أحمل السلطان ابن الأحمر على الميل إلى الأمير عبد الرحمن الذي اتهموني بملابسته ومنعوا أهلي من اللحاق بي وخاطبوا ابن الأحمر في أن يرجعني إليهم فأبى من ذلك فطلبوا منه أن يجيزني إلى عدوة تلمسان وكان مسعود بن ماسى قد أذنوا له في اللحاق بالأندلس فحملوه مشافهة السلطان بذلك وأبدوا له انى كنت ساعيا في خلاص ابن الخطيب وكانوا قد اعتقلوه لأول استيلائهم على البلد الجديد وظفرهم به وبعث إليه ابن الخطيب مستصرخا به ومتوسلا فخاطبت في شأنه أهل الدولة وعولت فيه منهم على وترمار وابن ماسى فلم تنجح تلك السعاية وقتل ابن الخطيب بمحبسه فلما قدم ابن ماسى على السلطان ابن الأحمر قد أغروه بي القى إلى السلطان ما كان منى في شأن ابن الخطيب فاستوحش من ذلك وأسعفهم بإجازتي إلى العدوة ونزلت بهنين والجو بيني وبين السلطان أبى حمو مظلم بما كان منى في أجلاب العرب عليه بالزاب كما مر فأوعز بمقامي بهنين ثم وفد عليه محمد بن عريف فعذله في شأني فبعث عنى إلى تلمسان واستقررت بها بالعباد ولحق بي أهلي وولدي من فاس وأقاموا معي وذلك في عيد الفطر سنة ست وسبعين وأخذت في بث العلم وعرض للسلطان أبى حمو رأى في الزواودة وحاجة إلى استئلافهم فاستدعاني وكلفني السفارة إليهم في هذا الغرض فاستوحشت منه ونكرته على نفسه لما آثرته من التخلي والانقطاع وأجبته إلى ذلك ظاهرا وخرجت مسافرا من تلمسان حتى انتهيت إلى البطحاء فعدلت ذات اليمين إلى منداس ولحقت باحياء أولاد عريف قبلة جبل كزول فلقوني بالتحف والكرامة وأقمت بينهم أياما حتى بعثوا عن أهلي وولدي بتلمسان وأحسنوا العذر إلى السلطان عنى في العجز عن قضاء خدمته وأنزلوني بأهلي في قلعة أولاد سلامة من بلاد بنى توجين التي صارت لهم باقطاع السلطان فأقمت بها أربعة أعوام متخليا عن الشواغل وشرعت في تأليف هذا الكتاب وأنا مقيم بها وأكملت المقدمة على ذلك النحو الغريب الذي اهتديت إليه في تلك الخلوة فسالت فيها شآبيب