ابن خلدون

432

تاريخ ابن خلدون

وقضى عيد الأضحى وطلبت منه الاذن في الانصراف إلى الأندلس لتعذر الوجهة إلى بلاد رياح وقد أظلم الجو بالفتنة وانقطعت السبل فأذن لي وحملني رسالة إلى السلطان ابن الأحمر وانصرفت إلى المرسى بهنين وجاءه الخبر بنزول صاحب المغرب تازا في عساكره فأجفل بعدي من تلمسان ذاهبا إلى الصحراء على طريق البطحاء وتعذر على ركوب البحر من هنين فأقصرت وتأدى الخبر إلى السلطان عبد العزيز بأنى مقيم بهنين وأن معي وديعة احتملتها إلى صاحب الأندلس تخيل ذلك بعض الغواة وكتب به إلى السلطان عبد العزيز فأنفذ من وقته سرية من تازا وتعرضني لاسترجاع تلك الوديعة واستمر هو إلى تلمسان ووافتني السرية بهنين وكشفوا الخبر فلم يقفوا على صحته وحملوني إلى السلطان فلقيته قريبا من تلمسان واستكشفني عن ذلك الخبر فأعلمته بنفيه وعنفني على مفارقة دارهم فاعتذرت له لما كان من عمر بن عبد الله المستبد عليهم وشهد لي كبير مجلسه وولى أبيه وابن وليه وترمار بن عريف ووزيره عمر بن مسعود بن منديل بن حمامة واختفت الالطاف وسألني في ذلك المجلس عن أمر بجاية وأفهمني أنه يروم تملكها فهونت عليه السبيل في ذلك فسر به وأقمت تلك الليلة في الاعتقال ثم أطلقني من الغد فعمدت إلى رباط الشيخ الولي أبى مدين ونزلت بجواره مؤثرا للتخلي والانقطاع للعلم لو تركت له * ( مشايعة السلطان عبد العزيز صاحب المغرب على بنى عبد الواد ) * ولما دخل السلطان عبد العزيز إلى تلمسان واستولى عليها وبلغ خبره إلى أبي حمو وهو بالبطحاء فأجفل من هنالك وخرج في قومه وشيعته من بنى عامر ذاهبا إلى بلاد رياح فسرح السلطان وزيره أبا بكر بن غازي في العساكر لاتباعه وجمع عليه أحياء زغبة والمعقل باستئلاف وليه وترمار وتدبيره ثم أعمل السلطان نظره ورأى أن يقدمني أمامه إلى بلاد رياح لأوطئ أمره وأحملهم على مناصرته وشفاء نفسه من عدوه بما كان السلطان أيس من استتباع رياح وتصريفهم فيما يريده من مذاهب الطاعة فاستدعاني من خلوتي بالعبادة عند رباط الولي أبى مدين وأنا قد أخذت في تدريس العلم واعتزمت على الانقطاع فآنسني وقربني ودعاني لما ذهب إليه من ذلك فلم يسعني الا اجابته وخلع على وحملني وكتب إلى شيوخ الزواودة بامتثال أمرى وما ألقيه إليهم من أوامره وكتب إلى يعقوب بن علي وابن مزنى بمساعدتي على ذلك وأن يحاولوا على استخلاص أبى حمو من بين أحياء بنى عامر ويحولوه إلى حي يعقوب بن علي فودعته وانصرفت في عاشوراء سنة ثنتين وسبعين فلحقت الوزير في عساكره وأحياء العرب من المعقل وزغبة على البطحاء ولقيته ودفعت إليه كتاب السلطان وتقدمت أمامه وشيعني وترمار