ابن خلدون
258
تاريخ ابن خلدون
بباب كشوط لجنوبهم من كظيظ الزحام فهلك منهم أمم وانطلقت أيدي النهب على البلد فلحقت الكثير من أهله معرات في أموالهم وحرمهم وخلص السلطان إلى المسجد الجامع مع لمة من خواصه وحاشيته واستدعى شيوخ الفتيا بالبلد أبو زيد وأبو موسى ابنا الامام وفاء بحق العلم وأهله فخلصوا إليه بعد الجهد ووعظوه وذكروه بما نال الناس من النهب فركب لذلك بنفسه وسكن وأوزع جنوده وأشياعه من الرعية وقبض أيديهم عن الفساد وعاد إلى معسكره بالبلد الجديد وقد كمل الفتح وعز النصر وشهد ذلك اليوم أبو محمد بن تافراكين وافاه رسولا عن مولانا السلطان أبى يحيى ومجدد العهد فأعجله السلطان إلى مرسلة بالخبر وسابق السابقين ودخل تونس لسبع عشرة ليلة من نوبة الفتح فعظم السرور عند السلطان أبى يحيى بمهلك عدوه والانتقام منه بثأره واعتدها بمساعيه ورفع السلطان أبو الحسن القتل عن بنى عبد الواد أعدائهم وشفى نفسه بقتل سلطانهم وعفا عنهم وأثبتهم في الديوان وفرض لهم العطاء واستتبعهم على راياتهم ومراكزهم وجمع كلمة بنى واسين من بنى مرين وبنى عبد الواد وتوجين وسائر زناتة وأنزلهم ببلاد المغرب وسد بكل طائفة منهم ثغرا من أعماله وساروا عصبا تحت لوائه فأنزل منهم بقاصية السوس وبلاد غمارة وأجاز منهم إلى ثغور عمله بالأندلس حامية ومرابطين واندرجوا في جملته واتسع نطاق ملكه وأصبح ملك زناتة بعد أن كان ملك بنى مرين وسلطان العدوتين بعد أن كان سلطان المغرب والأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين * ( الخبر عن نكبة الأمير عبد الرحمن بمتيجة وتقبض السلطان عليه ثم مهلكه اخرا ) * قد قدمنا ما كان من اشتراط السلطان أبي سعيد على الموحدين منازلتهم تلمسان مع عساكره وتلوم السلطان أبى الحسن بتا سالت لانتظار مولانا السلطان أبى يحيى ولما نازل تلمسان بعساكره المرة الثانية لم يطالبهم بذلك وكان أبو محمد بن تافراكين يتردد إليه وهو بمعسكره من حصار تلمسان مؤديا حقه مستخبرا مآل عدوهم فلما تغلب على تلمسان أسر إليه سفيره أبو محمد بن تافراكين بأن سلطانه قادم عليه للقائه وتهنئته بالظفر بعدوه وتشوف السلطان أبو الحسن إليها لما كان يحب الفخر ويعنى به وارتحل من تلمسان سنة ثلاث وثلاثين وعسكر بمتيجة منتظرا وفادة مولانا السلطان أبى يحيى عليه وتكاسل السلطان عنها لما أراه المتحكم في دولته محمد بن الحكيم من حذر مغبتها وقال له ان لقاء سلطانين لا يتفق الا في يوم على أحدهما فكره ذلك السلطان وتقاعد عنه وطال مقام السلطان أبى الحسن في انتظار الموعد الذي ألقى إليه أبو محمد بن تافراكين واعتل لأشهر من لقائه ومرض بفسطاطه وتحدث أهل المعسكر بمهلكه وكان ابناه