ابن خلدون

259

تاريخ ابن خلدون

الأمير أبو عبد الرحمن وأبو مالك متناغيين في ولاية عهده منذ أيام جدهما أبي سعيد وكان السلطان قد جعل لهما من أول دولته ألقاب الامارة وأحوالها من اتخاذ الوزراء والكتاب ووضع العلامة وتدوين الدواوين واثبات العطاء واستلحاق الفرسان والانفراد بالعساكر فكانا من ذلك على نهج وجعل لهما مع ذلك الجلوس لمقعد فصله مناوبة لتنفيذ الأوامر السلطانية فكانا لذلك رديفين له في سلطانه ولما اشتد وجع السلطان تمشت سماسرة الفتن بين هذين الأميرين وحزب أهل المعسكر لهما أحزابا وبث كل واحد منهما المال وحمل على المقربات وصارت شيعا وانقسموا فرقا وهم الأمير أبو عبد الرحمن بالتوثب على الامر قبل أن يتبين حال السلطان باغراء وزرائه وبطانته بذلك وتفطن خاصة السلطان لها فأخبروه الخبر وحضوه على الخروج إلى الناس قبل أن يتفاقم الامر ويتسع الخرق فبرز إلى فسطاط جلوسه وتسامع أهل المعسكر به فازدحموا على مجلسه وتقبيل يده وتقبض على أهل الظنة من العساكر وتسامع أهل المعسكر فأودعهم السجن وسخط على الأميرين ورحل الناس من معسكرهما فردهما إلى معسكره ثم رجع إلى فسطاطه فارتاب الأميران لذلك ووجما وطفئت نار فتنتهما وسكن سعى المفسدين وانتبذ الناس عنهما فاشتدت روعة الأمير أبى عبد الرحمن وركب من فساطيطه وخاض الليل وأصبح بحلة أولاد على أمراء زغبة الموطنين بأرض حمزة فتقبض عليه أميرهم موسى بن أبي الفضل ورده إلى أبيه فاعتقله بوجدة ورتب العيون لحراسته من حشمه إلى أن قتل بعد ذلك سنة ثنتين وأربعين وثب بالسجان فقتله وأنفذ السلطان حاجبه علان بن محمد فقضى عليه ولحق وزيره زيان بن عمر الوطاسي بالموحدين فأجاروه ورضى السلطان صبيحة نزوع أبى عبد الرحمن عن أخيه أبى مالك وعقد له على ثغور عمله بالأندلس وصرفه إليها وانكفأ إلى تلمسان والله أعلم * ( الخبر عن خروج ابن هيدور وتلبسيه بابي عبد الرحمن ) * لما تقبض السلطان على ابنه عبد الرحمن وأودعه السجن تفرق حرمه وحشمه وانذعروا في الجهات وهمل جازر من مطبخه كان يعرف بابن هيدور كان شبيها له في الصورة فلحق ببني عامر من زغبة وكانوا لذلك العهد منحرفين عن الطاعة خوارج على الدولة لما كان السلطان وأبوه اختصا عريف بن يحيى أمير سويد أقتالهم منذ نزع إليهم عن أبي تاشفين فركبوا سنن الخلاف ولبسوا جلدة النفاق وانتبذوا بالقفار ورياستهم لذلك العهد لصغير بن عامر واخوته وعقد السلطان على حربهم لوترمار ابن وليه عريف وكان سيد البدو يومئذ فجمع لهم وشمر لطلبهم وأبعدوا أمامه في المذاهب وأوقع بهم مرارا ولحق بهم هذا الجازر وانتسب لهم إلى السلطان أبى الحسن وأنه أبو عبد الرحمن ابنه النازع